- الميتة والدم من الأطعمة المفضلة للشياطين: حرم الإسلام أكل الميتة والدم، بنص قرآني صريح، وانقاد المسلمون لأوامره دون أن يعلموا الحكمة من ذلك، مما سجل سبقا للقرآن على العلوم الحديثة بعدة قرون. قال تعالى في محكم تنزيله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ(المائدة/3).
لا يحرم الله ما يحرم على عباده، إلا صيانة لهم من الضرر الموجود في المحرمات، رغم أنه قد لا يبين لهم الحكمة من ذلك، والميتة ومتروك التسمية من بين هذه المحرمات، لأنها طعام الشياطين الذين يستحلون ما لم يذكر اسم الله عليه. لذلك وعندما سأل الجن، الذين آمنوا، رسول الله صلى الله عليه وسلم الزاد قال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه. فلم يبح لهم متروك التسمية الذي هو طعام الشياطين والجن الكافر. قال تعالى:
ولا تأكلوا مما لم يُذكر اسم الله عليه وإنه لفسق(الأنعام/121)، وقال عليه السلام: ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكلوه.( الحديث في الصحيحين، ورواه بن ماجة وأبو داود في السنن (كتاب الضحايا والذبائح).) والجن المؤمن، مثله مثل الإنس المؤمن، ما ينبغي أن يأكل محرما.
والمراد بالميتة: ما فقدت حياتها بغير ذكاة شرعية، أو لأية علة أخرى تكون سببا في هلاكها، فتحرم لضررها، وهو احتقان الدم في جوفها ولحمها، فتضر بآكلها، والدم المسفوح، كما قيد في الآية الأخرى أو دما مسفوحا (الأنعام/ 145)، هو الدم الذي يخرج من الذبيحة عند ذكاتها، فيزول الضرر بزواله، أي خروجه منها، فالميتة والدم إذن رجس، والرجس خبث مضر، فاتضحت الحكمة من التحريم، وهي رفع الضرر. "وما أهل لغير الله به" أي: ذكر عليه اسم غير الله، كالأصنام، أو الأولياء، أو الكواكب، ونحو ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا مما ذُكر اسم الله عليه،( أنظر فتح الباري في شرح صحيح البخاري.) فكما أن ذكره تعالى يطيب الذبيحة ويزيل ما بها من ضرر، فإن ذكر غيره عليها، يضاعف خبثها: خبث معنوي (لأنه شرك بالله) وخبث مادي (لإصابتها بالجراثيم).
أما"المنخنقة" (الميتة بخنق: بيد، أو حبل، أو نحوه)، "والموقوذة" (الميتة بضرب بعصا، أو حديدة، أو غيرها...)، و"المتردية" (التي تسقط من شاهق، كجبل، أو جدار...)، و"النطيحة" (التي تنطحها غيرها فتموت)، فجميعها تشترك في انحباس الدم في عروقها فتتأثر لحومها وأجسادها مما يسبب ضررا لآكلها. وأما "ما أكل السبع" فيقصد به ما مات نتيجة حيوان مفترس أو جارح، "إلا ما ذكيتم" أي ما أدرك منها (من منخنقة، وموقوذة، ومتردية، ونطيحة، وأكيلة سبع)، فذبحت وخرجت دماؤها، وهي لا تزال حية مستقرة، فيتحقق شرط الذكاة فيها من تسمية وخروج دم، فيحل عندئذ أكلها.
كل هذه الأمور التي ذكرنا تشترك في عدم ذكر اسم الله عليها وفي عدم خروج الدم منها خروجا بالذبح الشرعي، فاقترن بها الشيطان اقترانا وثيقا وجرى منها مجرى الدم، ولذلك حرم الإسلام أكلها، أو حتى التعامل معها، وسماها خبائث في قوله تعالى: وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ (الأعراف/157). والخبائث، كما أشرنا لذلك غير ما مرة، تعني من بين ما تعنيه: إناث الشياطين، وقد يراد بها كل ما فيه إفساد للإنسان.
----------------------------
تبدأ بكتيريا التعفن نشاطها بمجرد موت الكائن الحي: فكل جزء منه يحوي آلاف الأصناف من البكتيريا التعفنية، التي يتضاعف نشاطها عند احتباس الدم في الأنسجة، كما أن الاختناق يزيد من سرعة تعفن الجثة، والرض يسبب انتشارا للدم تحت الجلد وداخل اللحم والأنسجة، وقد تكون به جروح تسهل عبور الجراثيم للأنسجة فتعجل بتفسخها وفسادها، أما ما تحمله السباع من جراثيم وكائنات دقيقة بين أنيابها فإنه يؤدي إلى النتيجة ذاتها، حيث يتعفن لحم الطريدة، ويتحول إلى خطر يهدد حياة الإنسان إذا أكل منها.
وعموما فإن الميتة (بأشكالها النمطية المعروفة) تعتبر بيئة خصبة للميكروبات والجراثيم، والأكل منها يعرض لا محالة لأخطر الأمراض وأفتكها، فإذا تركنا جراماً من الدم، و جراماً من اللحم في مكان مكشوف، ثم أردنا استعمالهما بعد ثلاث ساعات أو أربع... فهل من ضرر سينجم عن ذلك؟
نعم، يجيبنا المختصون، بل وضرر كبير: ذلك أن الدم (وقياسا عليه اللحم) ربما انتقلت إليه الجراثيم عبر سكين الذبح، أو عبر الهواء المحيط، أو من أي مصدر مجاور... فضلا عن الجراثيم الموجودة به أصلا. ومعلوم، كما يخبرنا علم البكتيرولوجيا، أن الجراثيم تتضاعف وفق متوالية هندسية كل نصف ساعة، ومعلوم أيضا أن الدم، بعد الوفاة يصبح ملوثاً أكثر ويضر بصحة الإنسان الذي يشربه، وقد ثبت علميا أن الأمراض التي يستعصى تشخيصها يكشف عن أصلها تحليل الدم، وذلك لكثرة الميكروبات التي يحتويها، بحكم ملاءمته لنمو الجراثيم وانتشارها.
يقوم الدم في الكائن الحي بوظيفتين:
الأولى نقل المواد الغذائية التي تمتص من الأمعاء (كالبروتينات والسكريات والدهون والأكسجين وجميع العناصر الحيـوية الضرورية...) إلى مختلف الأعضاء، والثانية: حمل إفرازات الجسم الضارة كي يتخلص منها عبر البول أو العرق أو البراز. فإذا كان الحيوان مريضا فإن الميكـروبات تتكاثر عادة في دمه، لأنها تستعمله وسيلة للتنقل من عضو إلى آخر، كما أن إفرازات الميكروب وسمومه تنتقل عبر الدم أيضا، وهنا مكمن الخطر... لأنه إذا شرب الإنسـان الدم انتقلت إليه كل هذه الميكروبات مع إفرازاتها، وتسبـبت في
أمراض كثيرة مثل ارتفاع البولينا في الدم، مما يهدد بحدوث فشل كلوي، أو ارتفاع نسبة الأمونيا في الدم وحدوث غيبوبة كبدية... كما أن الكثير من الجراثيم التي يحملها الدم تسبب للمعدة والأمعاء تهيجا في الأغشية. لكل هذه الأسباب، وغيرها، حتم الإسلام الذبح الشرعي الذي يقتضي تصفية دم الحيوان بعد ذبحه، وكذا حرم الله شرب الدم أو دخوله بأي شكل من الأشكال إلى الغذاء الآدمي، كما حرم أكل لحم الحيوان الذي لم يخرج دمه بالذبح الشرعي، وهذا قبل أن يخترع الميكروسكوب، وقبل أن يعرف الإنسـان أي شئ عن الجراثيم والميكروبات: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (العنكبوت/4)
|