العودة   دار الرقية الشرعية > المنتدى الإسلامي > قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 24-Mar-2007, 07:49 PM
الصورة الرمزية القعقاع
 
عضو مبدع

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  القعقاع غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12360
تـاريخ التسجيـل : Feb 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 282 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : القعقاع is on a distinguished road
الدين منهج لهداية الإنسان

يُعَدُّ "الديـن"، حسب المفهوم القرآني، الحلقة الواصلة بين الحق المطلق وبـين الإنسـان، لأنه مصدر "الهداية" العامة للإنسانية، ولذلك يختلف منظور الإسلام إلى "الدين" عن جميع المنظورات الأخرى، فضلاً عن المنظور الاجتماعي الوضعي، وهذا المبحث من الكتاب يستهدف بيان هذه المنظورات بياناً مقارناً.

ونشـير فـي البداية إلى أن لفـظ الديـن فـي اللـغـات الأوربيــة، وهـو La religion، مأخوذ من الكلمة اللاتنية Religio، التي تدل في معناها الحرفي على الربط. ولكن باستعمال هذا اللفظ للدلالة على ما نعنيه بمفهوم الدين، انتقل من المعنى المادي إلى المعنوي، فأصبح يدل على واحد من ثلاثة معان رئيسَة، وذلك بحسب السياق، وهي :

ــ الدين كنظام اجتماعي لطائفة من الناس ترمز إليه طقوس وشعائر متبعة، قائمة على إظهار العبادة لذات (متخيلة) مطلقة الكمال هي أسمى ما في الوجود.

ــ الدين حالة نفسية خاصة، ناشئة عن عواطف وعقائد وعبادات تعبر عن طاعة الآخذين بها تجاه خالقهم.

ــ الدين بمعنى مطلق التقديس والإجلال لذات مقدسة أو شعيرة من الشعائر(1).

وبما أن التعريفات السابقة كانت متباينة وسطحية، فقد اقترح الدكتور محمد عبد الله دراز تعريف "الدين" بما هو مشترك بين الأديان كلها، وفي مقدمة ذلك الإيمان بوجود مطلق أو ذات إلهية، يدين لها الإنسان بكل وجدانه وعقله، معبراً عن تقديسها وطاعتها.

لقد استأثرت دراسة الأديان بمكانة الصدارة عند علماء الاجتماع والأنتروبولوجيا والحضارات، الذين أمدتهم حفريات اللغة وتراث الشعوب البدائية، ومختلف المدونات التاريخية بمعلومات هامة. ومن هؤلاء العلماء عالم الاجتماع الفرنسي دوركايم (تـ 1917) Durkheim الذي حاول تعريف "الدين"، تعريفاً جامعاً، منطـلقاً من المعطيات التي تجمعت لديه، فلم يبتعد عن المعاني التي ذكرناها(2)، ومن خـلالها ندرك أن الباحثين الغربيين في الأديان لم يعنوا في الواقـع إلا بالمظاهر الخارجية للدين، كالطقوس والتصورات العامة، والتفـرقة بين المقـدس والمحـرم، وتقابل عالـم الغيــب وعالـــم الشهـادة، غير مهتمين بمضامينها العقدية أو بمرتكزاتها الإيمانية.

لقد ظل "الاعتقاد الديني" ملازماً للإنسان وثقافته كاللغة، دالاً على حاجته إلى الإيمان، مهما يكن موضوع هذا الإيمان أو قيامه على الحق أو على الضلال. وتدل معتقدات الشعوب البدائية التي وقف عليها الباحثون الإثنولوجيون على أن "الدين" كان استجابة لدافع فطري بالنسبة لأقوام بدائيين، قد يقال إن حاجتهم إلى سد رمق الجوع ومطاردة الوحوش الضارية في الغابات والفيافي، شغلهم عن التفكير في المقدس أو المعبود من قوى الطبيعة المحيطة بهم. وهو ما يدل على أن الروح تجوع مثلما يجوع الجسد، وأن المعتقدات هي بمثابة الغذاء، مهما يكن نصيب هذا الغذاء من الجودة أو الرداءة، وأن الانسان لا مفر له من الاعتقاد بكائن أسمى تجب له الطاعة والتقديس، ويستمد منه الإيمان بقيمة الحياة.

لكن الباحثين في تاريخ الأديان والانثربولوجيا لم يهتموا في الغالب بالتميز بين الأمرين ؛ حاجة الإنسان إلى الاعتقاد، وموضوع الاعتقاد نفسه. فاعتبروا أنه لما كان الإنسان البدائي قد اعتقد الأوهام وانساق للأساطير، فإن "الدين" يظل مجرد طور من أطوار التاريخ الإنساني البدائية، قبل أن يرقى الإنسان بعقله إلى معرفة الطبيعة، واكتشاف قوانينها، واستغلال طاقاتها وتعويض الدين بالعلم.

لقد كان الإنسان البدائي يعتقد أن الظواهر المحيطة بــه هـي كائنات حية مثلــه، كالرياح والبروق والنجوم والأنـــواء والأنهار والمنابع، وأن هذه المظاهر الطبيعية لها روحها ولها رغباتها، وأنها تغضب وترضى على نحو ما يغضب الانسان ويرضى، فهو يسترضيها ويعبدهـا، ويخاطبها، ويقدم لها القرابـين. وكان مما اعتقده البدائيون من هذه الأساطيـــر أن أرواح الأسلاف لن تزال محيطة بهم، تعاشرهم من حيث تراهم ولا يرونها، وتقتضي منهم حقوقاً وواجبات عليهم أداؤها. وكانوا قد اعتقدوا أنه لا سبيل إلى إرضاء هذه الأرواح أو تلك الكائنات المؤثرة في حياتهم اليومية إلا باتخاذ وسطاء بينهم وبينها، كالكهنة وسدنة المعابد والهياكل.

هذه التصورات التي كانت ملائمة لمستوى العقلية البدائية، والتي تبدو لنا اليوم مغرقة في السذاجة أو الخرافة، لا يمكن اعتبارها دليلاً على سخافة الحاجة إلى الدين نفسها.
رد مع اقتباس
قديم 24-Mar-2007, 07:50 PM   رقم المشاركة : ( 2 )
عضو مبدع

الصورة الرمزية القعقاع

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12360
تـاريخ التسجيـل : Feb 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 282 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : القعقاع is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

القعقاع غير متواجد حالياً

"فالدين" قد عرف كسائر الظواهر الإنسانية والتاريخية أطواراً من النشوء والارتقاء، وإذا كان قد لابس الأوهام والخرافات البدائية، فمثله في ذلك مثل الجسد الذي يبدأ في المشي بالحبو، ثم يمشي منتصب القامة. فالعقل كذلك قد بدأ بما يشبه الحبو في مجال المعرفة، إلى أن استكمل مداركه وقدراته على التمييز والاستدلال ؛ >فهو قد وصل إلى الطب النافع من طريق الشعوذة، ووصل إلى الكيمياء الصحيحة من طريق الكيمياء الكاذبة، ووصل إلى الصواب على الإجمال من طريق الخطأ على الإجمال، ولا يعقل أن نقول : إنه لن ينتهي إلى صواب إلا إذا بدأ على صواب، وإنّه إن أخطأ في المحاولات الأولى وجب أن يلزمه الخطأ بغير أمل في الصواب<(3). ويقال مثل ذلك حتى بالنسبة لمن يتدينون بالدين الإلهي الموحى به، فإن المنتمين إليه قد يحرفون حقائقه ويدخلون عليه ما ليس منه، ويستخدمونه استخداماً سيئاً، مما تقتضيه جهالتهم أو سذاجتهم، مثل من يستعمل الميزان، أسوأ استعمال، فيخرج به عن الغاية التي وضع لها. وعندما تطور الإنسان، وأخذت قواه العقلية تستفيد من تراكمات التجارب والخبرات، وتستخلص منها مفاهيم القيم وثمار الأفكار، وأصبحت عقول النخب الاجتماعية تمارس التفكير الاستدلالي، أخذت علاقة الإنسان " بالدين" ترتقي وتبحث عن أسس عقلانية وغايات أخلاقية عليا.

ومن المفيد أن يطلع المرء في هذا السياق على سيرة الإنسان نحو معرفة المعبود الحق الذي يجب أن يدين له بالطاعة والتقديس، وأنه لم يصل إلى هذا الحق إلا بعد تجارب طويلة الأمد، حافلة بالتضحيات، عنيفة الصراع، حافلة بالجهاد والاستشهاد، وهو ما كان يتطلبه الانتقال من عقيدة دينية إلى أخرى، أو يتطلبه فرض عبادة إله الغالب على المغلوب.

ويميل كثير من الباحثين إلى الرأي القائل بأن عقيدة الإنسان بدأت باعتقاد وجود آلهة متعددة، مستظهرين على هذا الرأي بالظواهر التاريخية، مثل العالم الأنتروبولوجي إدوارد تايلور (Tylor Edward 1917) الذي كان متشبعاً بنظرية التطور وأن الإنسان انتقل من عبادة الفرد الحاكم إلى عبادة الآلهة المتعددة، ثم انتهى إلى عبادة الإله الواحد. وهذا الرأي يستند إلى فرضية التطور التي ترى أن الإنسان البدائي منذ أربعة آلاف سنة على الأقل، اعتقد في بلاد ما بين النهرين، أن هناك آلهة تتحكم في الكـون والحياة، بعد أن قامت بإخراج هذا الكون من العماء إلى الظهور. ووضع الإنسان تصوراته عن خلق العالم وصراع الآلهة في ملاحم ظل ينشدها ويتغنى بها في معابده واحتفالاته الدينية. فكانت الأساطير هي التي تغذي عقله حول طبيعة الكون والحياة، وما تملى عليه من واجبات وطقوس نحو تلك الآلهة. وكان يعتقد أن لكل مظهر من مظاهر الحياة أو الطبيعة إلهاً خاصاً به ينفرد بالتحكم فيه، فتعددت الآلهة، بتعدد تلك الظواهر. ومادام هناك صراع بين الموت والحياة، والنّور والظلام، والخصب والجفاف، والولادة والعقم، وما إلى ذلك من الظواهر المتقابلة، فإن هناك صراعاً بين الآلهة المجسدة لهذه الظواهر في معتقداتهم.

واتخذت كل جماعة، شعباً كانت أو قبيلة أو عشيرة، من إله معين من تلك الآلهة المتعددة معبودها الأسمى، باعتباره الأقوى، فتعددت الآلهة على هذا الأساس القومي. وأصبح زعيم كل جماعة أو قبيل من الناس هوالممثل لذلك الإله، والحامي للعقيدة القائمة حوله، بل كثيراً ما أصبح هذا الزعيم هو المعبود نفسه.

وهناك رأي آخر مغاير هو الذي أقول به، وهو أن الإنسان آمن في بداية الأمـر بـما ألهـمه شـعوره الفطـري بالإلـه الواحد، الذي خلق الأرض، وأوجد ما علىها من بحار وأنهار وغيرهما، وبأن هذا الإله الواحد يقـتضي الـطاعة والعبادة، ولا يمكن وصفه أو تحديد مكانه(4).

وممن دافع عن هذا الرأي العالم الأنتروبولوجي هوبل آديسون ( Hobel 1916) والعالم الأسترالي وليام سميث (Welliam Smmeth 1894) الذين أثبتوا أن شعوباً في أفريقيا وأستراليا والهند لم ينشأ اعتقادهم في الإله الواحد بتأثير أي دين سماوي طرأ عليهم من خارج بيئتهم، وإنما اهتدوا بفطرتهم إلى عبادة الله الإله الواحد، ويؤيد هذا الرأي ما ذكره البيروني (440هـ) من أن الانسان في بلاد الهند اعتقد منذ عصور ضاربة في القدم في الإله الواحد الأحد الأزلي الذي لا ابتداء له ولا نهاية، المدبر الحكيم للكون، الذي لا يشبه شيئاً من خلقه، ناقلاً هذا المذهب عن كتب قدمائهم، مثل كتاب "باتنجل"(5).

ولما كان هذا الإله الواحد لا يوجد في جهة معينة، ولا يدركه عقل ولا وصف حسي، فقد ظل أشبه بفكرة مجردة، ومن ثم وجدت الوثنية مجالاً لاختراع آلهة مجسدة في رموز شاخصة، وأوثان منصوبة في المعابد وغيرها، ووجد الزعماء والحكام في هذه الوثنية ما يتفق مع أهـدافهم في إخـضاع الجـماهير، وفرض عبادة إله علـى عبادة إله آخر. وهذا منشأ الوثنية المتأصلة لدى الجماهير المنقادة للتقليد، أي الميل الجماعي الذي لا يقاوم إلى تجسيد المعبود، أو القوة المؤثرة أو الغالبة في رمز قريب إلى الحس، ماثل أمام الجماعة، تقدم له القرابين والصلوات تقليدا للآباء والأسلاف في هذا الاعتقاد أو ذاك كأساس موروث للدين.

ويقول العلامة البيروني، وهو أحد المراجع الموثوقة في تاريخ الأديان بالشرق الأقصى، إن طباع العوام تنزع إلى المحسوسات، وتنفر من المعقولات، ولكونهم كذلك فقد عدل الكثير منهم، حتى من أتباع الديانات السماوية كاليهود والنصارى، إلى تصوير المقدسات وتجسيمها ووضع الهياكل ونصب التماثيل فيها. وقال : إنك لو أبديت صورة النبي محمد، أو مكة أو الكعبة لعامي رجلاً أو امرأة، لوجدت فيه الاستبشار والانكباب على تلك الصورة بالتقبيل وتعقير الخدين والتمرغ عليها كأنه شاهد المصور ذاته. وهذا هو السبب الباعث على إيجاد الأصنام بأسامي الأشخاص المعظمين من الأنبياء والعلماء والملائكة. ولما طالت القرون والأحقاب على تلك الرموز نسيت أسبابها وصارت معبودة بذاتها، حتى قيل إن كون الناس قبل بعثة الرسل كانوا أمة واحدة، هو أنهم كانوا وثنيين جميعاً(6).

وفي القرآن الكريم آيات تدل على أن الإنسان في هذه المرحلة التاريخية كان يتخذ من إلهه رمزاً لمصالحه القومية أو الجماعية، وكان ينسب هذا الإله لنفسه أو لقومه.

يقول تعالى : { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوبَ الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ، قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له
  رد مع اقتباس
قديم 24-Mar-2007, 07:50 PM   رقم المشاركة : ( 3 )
عضو مبدع

الصورة الرمزية القعقاع

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12360
تـاريخ التسجيـل : Feb 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 282 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : القعقاع is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

القعقاع غير متواجد حالياً

مسلمون }(7).

ويقـول تعـالى مخـبراً عـن قـوم مـوسى : { قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة }(8).

ويـقول تعالى عـن اعتـقاد فـرعون في نفـسه، وتهديده لموسى عليه السلام : { قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين }(9).

ويقول تعالى في شأن الاعتقاد بتعددية الآلهة : { وعجبوا أن جاءهم منـذر منهـم. وقال الكافـرون هذا ساحر كذاب. أجعل الآلهة إلهاً واحداً، إن هذا لشىء عجاب، وانطلق الملأ منهم أن امشـوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشىء يراد }(10).

وبرغم تعميق كل الأديان السماوية لعقيدة التوحيد، كما نفهم ذلك من قصص الأنبياء والمرسلين الواردة في القرآن الكريــم، فإن أتباع هذه الأديان ــ وبإيعـاز من الأحبار والممثلين للسلطة الدينية ــ كانوا يحولون التوحيد الخالص إلى تعددية تجعل لله تعالى شركاء أو وسطاء متصرفين في العالم، وذلك لسببين :

ــ أولهما : أن التوحيد الخالص لم يكن يعود على السلطة القائمة بأي فائدة أو مصلحة سياسية، إن لم نقل إنه كان يزعزع سلطة الحكام والزعماء والملوك المتصرفين باستبداد.

ــ ثانيهما : أن العقلية الجماعية والنزعة الشعبية سرعان ما كانت تحول المطلق إلى محسوس، وما هو في عالم الغيب إلى شاخص في عالم الشهادة.

وعندما حمل الإسلام على هذه الوثنية فإنه حمل عليها في كل صورها وأشكالها، وعلى من يحميها من الفئات الاجتماعية المستغلة لتلك الوثنية في تسخير المستضعفين، منطلقاً منذ البداية من اعتبار الأديان السماوية السابقة ستتعاون معه في هذا الاتجاه الذي يؤكد عقيدة التوحيد.

بل إن تاريخ الإسلام نفسه لم يخل من تحريف عقيدة التوحيد، ومن خلطها بالشرك الخفي، والتوجه إلى غير الله تعالى باعتبار هذا الغير وسيطاً بين المؤمن وبين خالقه، بينما يقـــول اللـــه تعالى مخاطباً رسوله الكريم : { وإذا سألك عبــادي عني، فإني قريب، أجيـب دعوة الدّاع إذا دعانِ. فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون }(11). ومن الانحراف عن التوحيد الخالص تسرب إلى عقول المسلمين الكثير من معتقدات الزيغ والشعوذة.

ومن المؤكد تاريخياً أن الديانة المسيحية كانت وارثة للديانة اليهودية في معتقداتها، مقتصـرة على خطاب بني إسرائيل، وأن التجسيد للإله خالط عقائد بني إسرائيل، برغم تعنيف موسى عليه السلام لهم، فاتخذوا في حياته العجل الذهبي إلهاً، واتخذوا تماثيل على صورة البشر توضع في البيوت وتحمل في الأسفار ترمز إلى الله، وهي المسماة عندهم بالترانيم أو بالطرافين.

وبشرت اليهودية بمجئ المسيح المنتظر، بعد زوال ملكهم، ويعنى بكلمة المسيح، الممسوح بزيت البركة ؛ إذ كانوا يمسحون بالزيت الأنبياء والكهان والبطارقة، علامة على التطهير والتقديس. وكانوا ينتظرون "المسيح" كملك من نسل داود، يأتي ليفتح البلدان أمام سلطانهم، وسموه قبل مجيئه (ابناً لله)، حسب عبارة كتاب صموئيل الثاني على لسان ناتان لداود عليه السلام : >هو يبني بيتاً لاسمي وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد... أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً<(12).

ويذكر أن ما كان يطلق من الألفاظ في دين من الأديان كان لا يقبل في دين آخر ؛ فلفظ "الله" في اللغة العربية يختص بالذات الإلهية اختصاصاً لا يوجد في أي لفظ آخر، فعن السريانية والعبرية يطلق لفظ "الـرب" كما في التوراة وفي المزمور الثاني والثمانين من زبور داود : إن الله قام في جماعة الآلهة، يعني الملائكة. كما أن "التوراة" سمت الأصنام آلهة، فالتأليه كان يتجه في إطلاقة على الملائكة وعلى الأنفـس وعلى الصـور المعمولة بأسمـاء أشخاصـها بصـورة شائعـة. ومن ذلك مخاطبـة النصارى للمسيح بالابن، ولله بالأب، ويـروون في الانجـيل أن المسيـح قــال فـي دعائـه : يا أبانا الذي في السماء. وليس النصارى مختصين بهذه الأسماء في إطلاقها، بل يشاركهم اليهود، إلا أن النصارى يعتقدون أن من لا يوافقهم في إطلاق الأب على الله (تعالى) و"الابن" ؛ على المسيح، لا يدخل في جملة المؤمنين، وعلى أساسه بنوا عقيدة التثليث التي شاعت قبل المسيحية في عقائد مختلفة.

لقد كان موقف الإسلام من المسيحية واليهودية منذ البداية، هو الدعوة إلى التصحيح للدين الإلهي الذي جاء به موسى وعيسى، على عكس ما يتصوره عامة الأوربيين، فالإسلام كان يقر بالأديان السماوية التي سبقته، ويصدق أنبياءها ورسلها جميعاً، باعتبارهم قد بلغوا ما أوحي إليهم من ربهم، وأن ما بلغـوه هو نفس ما جاءت بـــه الرسالـة الإسلامية من حقائق وقيـم. والقرآن ملـيء بذكر أسمـاء هؤلاء الأنبياء والرسل، واستحضار دعواتهم ومواقف أقوامهم منهم. وكل ذلك في سياق تثبيت قلب النبي#، في مواجهة قوى الشرك والكفر. ومن الآيات القرآنية الكثيرة الدالة على ذلك قوله تعالى : { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم، ووهبنا له إسحاق ويعقوب. كلاً هدينا، ونوحاً هدينا من قبل، ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون. وكذلك نجزي المحسنين وزكرياء ويحيى وعيسى وإلياس وكلّ من الصالحين. وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً، وكلاً فضلنا على العالمين، ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده. ولـو أشركوا لحبط عنهم ما كانـوا يعملون. أولئك الذين آتينا هم الكتاب والحكـم والنبوءة. فإن يكفر بها هؤلاء فقدوكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافر ين. أولئك الذين هدى الله. فبهداهم اقتده }(13).

وانطلاقاً من هذا المنظور إلى وحدة الدين الإلهي، والإيمان بجميع الأنبياء والرسل، دعا الإسلام إلى الحوار مع أهل الأديان السماوية، واقترح عليهم بناء الحوار على القيم المشتركة بينهم، فقال تعالى : { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله. فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون }(14). وقال تعالى : { يا أهل الكتـاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمـون }(15).

والقـرآن يـؤكد أن "الإسـلام" إنـما هـو إكـمال للـديـن الإلهـي، وليـس تـأسـيساً لعقـائد جـديدة، موضحاً أن الـدين واحــد، والشــرائع مختلفة، بحسب دواعي العصور والبيئات، كما أن هذا الإكمال يؤكد وجود أسس وقواعد سبق بناؤها وترسيخها.

وما نستخلصه من هذا الاستطراد هو أن الإسلام قد حمل في رسالته تصحيح المعتقدات الدينية السابقة، وعمل على مخاطبة العقل في بناء عقيدة "التوحيد"، جامعاً في خطابه بين منطق الوحي ومنطق "العلم" بصورة لم تنل من المفكرين الغربيين ما تستحقه من عنايــة، مع العلم أن القرآن لم يستهدف بيان أي حقيقة علمية، وإنما كان إذا دعا الفكر أو العقل إلى الاعتبار والاستدلال على وجود الحقيقة الإلهية قدم له ملاحظات دقيقة، لا يسع العالم المعاصر اليوم إلا
  رد مع اقتباس
قديم 24-Mar-2007, 07:52 PM   رقم المشاركة : ( 4 )
عضو مبدع

الصورة الرمزية القعقاع

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12360
تـاريخ التسجيـل : Feb 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 282 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : القعقاع is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

القعقاع غير متواجد حالياً

الانبهار أمام إشاراتها الدقيقة، لاسيما في التعبير عن تلك الحقائق أو التلميح إليها.
ولذلك نعتـقد أن الباحث جوان سالومو سيمليو Salomou Somilis (1791) الأستاذ بجامعة هال قد استخلص النتيجة المنطقية من معطيات أبحاثه في التوراة والإنجيل، حين قال : إن الدين اليهودي والدين المسيحي اللذين كانا واقعة انتقالية عبر التطور الديني لدى الإنسان تحولا على يد رجال الدين الدوغمائيين إلى اعتبارهما "الدين المطلق"، وأنهما الدين العام للإنسانية في كل زمان ومكان. وتلك كانت كبوتهم، لأنهم صنعوا من صورة محلية للدين الدين الثابت، كما لو كانوا يفرضون على جميع الأبدان أن تلبس إلى الأبد لباساً واحداً، وبذلك أخمدوا جوهر العقيدة تحت كومة من الطقوس الثابتة. فالتوراة في تصوره، تتعلق بتراث قومي يهودي، ولا شيء أكثر من ذلك، وبأنها لم تكتب لتفرض ديناً واحداً ما دام أنها تشتمل على تأكيدات متعارضة مع حقائق الوحي الأزلي(16).
وإذا كان الإسلام قد صدر من نفس منبع الأديان السماوية السابقة، حاملاً نفس عقائدها، مصححاً لما وقع فيه أتباعها على تفارط القرون من تحريفات وعقائد منافية للتوحيد الخالص، فلنا أن نعتبره حينئذ الدين الإلهي المهيمن على جميع ما سبق من الأديان السماوية بحيث يعتبر التصديق به تصديقاً لها جميعاً. ومما يؤيد ذلك أن القرآن لم يعترض على جوهر الديانتين السابقتين، وهما اليهودية والمسيحية في شىء، وإنما كان اعتراضه على تحريف العقيدة الواحدة فيهما على يد الأحبار، فمن ذلك قوله تعالى : { وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يوفكون، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم. وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون }(17)، فمن المنطقي أن يعتبر الإسلام ديناً جامعاً لكل الأديان السماوية السابقة، وموجهاً للناس كافة، لا إلى شعب معين، وذلك بناء على المعطيات التالية :
أولــها : أن الإسلام حمل إلى الإنسانية خطاباً إلهياً هو القرآن الذي لا يتطرق إليه الشك، والمحفوظ في الصدور، وعبر التلقي المباشر من النبي "ص"، ثم من كل جيل إلى الجيل الذي يليه، ابتداء من جيل الصحابة الذين حفظوه، ثم وجمعوه في مصحف إمام، فإلى من أعقبهم من القراء الحفاظ إلى اليوم، ولذلك لم يطرأ عليه تحريف أو تبديل. وليس هنالك كتاب منزل أوحي به للرسل السابقين يرقى إلى هذا المستوى من حيث الصحة والثبوت والتوثيق.
ثانيها : أن الإسلام خاطب العقل الإنساني، وطالبه بالتفكير والتدبر واستقراء الظواهر الكونية، باعتبارها دليلاً على وجود الخالق المدبر، والتأكيد على اطراد السنن الكونية ؛ أي القوانين الطبيعية في المادة والنفس والتاريخ، التي يمكن اكتشافها.
والمتأمل للقرآن يجد نفسه أمام خطاب عقلاني يستنكر الأوهام والتقليد، واتباع ما ليس لنا به علم، ويقيم الأحكام الشرعية على أساس علل ومقاصد مبينة لمراعاة الصلاح، ومنع الفساد، وتزكية النفس وإعلاء غرائزها، ورفع الحرج عنها، وتحريم الضرر بالنفس، والإضرار بالغير، وإعلان المساواة بين الرجل والمرأة في التكاليف والواجبات وفي الحقوق والجزاءات(18).
ثالثهــا : أن خطابه للناس خطاب للأمم والأديان السابقة كلها وللمعتقدات جميعها التي كانت في عصر مجىء الدعوة الإسلامية والتي كانت قد التقت في صراع بينها كاليهودية والمسيحية والمجوسية والصابئة والوثنية، فجاء خطاب القرآن موجهاً إلى جميع هذه المعتقدات مخالفاً أو مصححاً أو مبطلاً، محاوراً أهلها حواراً عقلياً، مدعوماً بالحجة والبرهان. ولم يكتف بالجانب العقدي، وإنما أكمل العقيدة بالشريعة، وقرن الإيمان بالعمل، ووضع أصول النظام الاجتماعي المتوازن.
رابعهـــا : كونه جاء ملائماً للفطرة الإنسانية في أحكامه وقيمه الخلقية، لأنه بحكم عمومه وشموليته ودوامه، لا يمكن أن يتقيد بأي قيد يجعله خاصاً بعصر من العصور، أو بيئة من البيئات، أو أمة من الأمم. ويوضح أحد العلماء المسلمين هذا الأساس من أسس الإسلام، فيبين أن الحكمة في أن الله تعالى جعل "الإسـلام" دين الفطرة كما نفهم من قوله تعالى : { فأقم وجهك للدين حنيفاً، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين القيم }(19)، أنه لما أراد تعالى جعله ديناً عاماً لسائر البشر، ودائماً إلى انقضاء العالم، جعله مساوقاً للفطرة المتجذرة في النفوس، لتكون الجامعة العامة بين البشر مشتقة من الوصف المشترك بينهم، وهو وصف الفطرة، لأن شعوب العالم يختلفون، ولا يمكن جمعهم جمعاً عملياً في جامعة واحدة أو شريعة واحدة، ما لم يعتمد في ذلك على تحكيم الفطرة(20).
ومن مقتضيات الموافقة مع الفطرة العمل بما يهدي إليه العقل وتؤكده التجربة. والأخذ بالوسطية والاعتدال، والإقبال على الطيبات، والنفــــور من الخبائث، واتباع اليسر في الأعمال والتكاليف، وتحقيــق المصالح ودرء المفاسد، ولاسيما في التشريع لأن المجتمعات تتطور، والبيئات تختلف، ولابد من تحكيم المقاصد العليا للشريعة، لا التقيد بأحكام إن كانت صالحة لزمانها فإنه ليس من الضروري أن تصلح لزمن آخر.
وليس بين ظواهر النبوات المتعاقبة في التاريخ المدون ظاهرة موثقة بأقوى وسائل التوثيق التاريخي كالرسالة المحمدية، لاسيما ودليلها هو القرآن الذي يمكن الرجوع إليه، وإثبات كونه وحياً من الله بأكثر من دليل.
ومن المطلـوب منهجياً أن يقف المــرء على مفهـوم الديـن في النص القرآني، وعلى ما لـه من مضامين مختلفة ليتأكـد من خلالها أن القـرآن صـادر عن وحي إلهـي، وأنه حـين يخاطب كل العقائـد والملل التي كانت معروفــة يومئذ فإنه لم يتأثر بأي منهما، ولاسيما باليهودية والنصرانية التي ادعى قساوسة الكنيسة فيما بعد أن الرسول تأثر بها وحرفها. والقرآن نفسه يشير إلى هذه الدعوى الباطلة ويرد عليها في أكثر من موضع في القرآن.
فما هو مفهوم الدين في النّص القرآني ؟. إن تحديد هذا المفهوم يلقي الضوء الكاشف على المفهوم الذي تنطلق منه كل الأديان السماوية، فضلاً عن الدين الإسلامي نفسه ؟.
لقد استعمل القرآن الكريم لفظ الدين زهاء ثمانين مرة وفي سياقات متعددة، يمكن الاستنتاج من أمثلتها أن لفظ الدين دل فى القرآن على عدة معان تجاوزت ما حصره بعض العلماء المتقدمين لهذا اللفظ ؛ وهي الطاعة والجزاء والملة. لقد ورد لفظ الدين بمـعنى الطـاعة في آيـات متعـددة، منـها على سـبيل المـثال قـوله تعالـى : { وله ما في السماوات والأرض، وله الدين واصـبا }(21)، وقوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين }(22).
وورد بمـعنى المـلة والـديانة مهما كان مذهبها وعقيدتها، مثل قوله تعالى : { لكم دينكم ولـي ديـن }(23)، وقوله تعالى : { قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم }(24)، وقوله تعالى : { وذَرِ الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً }(25).
وورد بمعنى التوجه المخلص إلى الله رغبة ورهبة، ومن قوله تعالى : { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين }(26)، وقوله تعالى : { وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين }(27).
وورد لفظ الدين بمعنى الشريعة الإلهية المنزلة الجامعة بين الإيمان والعمل كـالإسـلام، ومـن قـوله تـعالى : { أم لهـم شـركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله }(28)، ومنه قوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت علـيكم نعمتي ورضيـت لكم الإسلام دينا }(29).
ولنا ملاحظتان تنبغى الإشارة إليهما، أولاهما أن تحديد المعنى الدقيق للفظ "الدين"، من بين الدلالات المشار إليها سابقاً يعود إلى سياق اللفظ داخل الآية القرآنية، وأنه في جميع هذه السياقات يتراوح المفهوم بين التخصيص والتعميم، وبين المعنى الاصطلاحي الذي جاء به الاسلام، وبين المعنى اللغوي العام، والملاحظة الثانية أن لفظ الدين اصطلاحاً يطابق الإسلام في مثل قوله تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام }(30)، وقوله تعالى : { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض }(31)، وقوله تعالى : { إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون }(32).
فأمامنا إذن مفهوم خاص "للدين" يستعمله القرأن غالباً، وهو الذي يطابق معنى الإسلام. ومفهوم عام يعني الملة أو الطاعة لله تعالى، والانقيـــاد لألوهيتـه، باختيار إرادي من الإنسان، أي عن تصديق واقتناع بما جاء به الدين.
والإسلام بهذا المعنى الشامل يمكن أن يعنى كل الأديان السماوية، باعتبارها سلسلة رسالات متعاقبة تتفق في العقيدة وتختلف في الشريعة(33). وقد أوضح القرآن بكيفية واضحة أن "الدين" بهذا المعنى رافق مسيرات البشرية منذ البداية، ولاسيما بعد تلقي آدم أمر
  رد مع اقتباس
قديم 24-Mar-2007, 07:54 PM   رقم المشاركة : ( 5 )
عضو مبدع

الصورة الرمزية القعقاع

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12360
تـاريخ التسجيـل : Feb 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 282 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : القعقاع is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

القعقاع غير متواجد حالياً

بقية المقال

الانبهار أمام إشاراتها الدقيقة، لاسيما في التعبير عن تلك الحقائق أو التلميح إليها.

ولذلك نعتـقد أن الباحث جوان سالومو سيمليو Salomou Somilis (1791) الأستاذ بجامعة هال قد استخلص النتيجة المنطقية من معطيات أبحاثه في التوراة والإنجيل، حين قال : إن الدين اليهودي والدين المسيحي اللذين كانا واقعة انتقالية عبر التطور الديني لدى الإنسان تحولا على يد رجال الدين الدوغمائيين إلى اعتبارهما "الدين المطلق"، وأنهما الدين العام للإنسانية في كل زمان ومكان. وتلك كانت كبوتهم، لأنهم صنعوا من صورة محلية للدين الدين الثابت، كما لو كانوا يفرضون على جميع الأبدان أن تلبس إلى الأبد لباساً واحداً، وبذلك أخمدوا جوهر العقيدة تحت كومة من الطقوس الثابتة. فالتوراة في تصوره، تتعلق بتراث قومي يهودي، ولا شيء أكثر من ذلك، وبأنها لم تكتب لتفرض ديناً واحداً ما دام أنها تشتمل على تأكيدات متعارضة مع حقائق الوحي الأزلي(16).

وإذا كان الإسلام قد صدر من نفس منبع الأديان السماوية السابقة، حاملاً نفس عقائدها، مصححاً لما وقع فيه أتباعها على تفارط القرون من تحريفات وعقائد منافية للتوحيد الخالص، فلنا أن نعتبره حينئذ الدين الإلهي المهيمن على جميع ما سبق من الأديان السماوية بحيث يعتبر التصديق به تصديقاً لها جميعاً. ومما يؤيد ذلك أن القرآن لم يعترض على جوهر الديانتين السابقتين، وهما اليهودية والمسيحية في شىء، وإنما كان اعتراضه على تحريف العقيدة الواحدة فيهما على يد الأحبار، فمن ذلك قوله تعالى : { وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يوفكون، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم. وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون }(17)، فمن المنطقي أن يعتبر الإسلام ديناً جامعاً لكل الأديان السماوية السابقة، وموجهاً للناس كافة، لا إلى شعب معين، وذلك بناء على المعطيات التالية :

أولــها : أن الإسلام حمل إلى الإنسانية خطاباً إلهياً هو القرآن الذي لا يتطرق إليه الشك، والمحفوظ في الصدور، وعبر التلقي المباشر من النبي "ص"، ثم من كل جيل إلى الجيل الذي يليه، ابتداء من جيل الصحابة الذين حفظوه، ثم وجمعوه في مصحف إمام، فإلى من أعقبهم من القراء الحفاظ إلى اليوم، ولذلك لم يطرأ عليه تحريف أو تبديل. وليس هنالك كتاب منزل أوحي به للرسل السابقين يرقى إلى هذا المستوى من حيث الصحة والثبوت والتوثيق.

ثانيها : أن الإسلام خاطب العقل الإنساني، وطالبه بالتفكير والتدبر واستقراء الظواهر الكونية، باعتبارها دليلاً على وجود الخالق المدبر، والتأكيد على اطراد السنن الكونية ؛ أي القوانين الطبيعية في المادة والنفس والتاريخ، التي يمكن اكتشافها.

والمتأمل للقرآن يجد نفسه أمام خطاب عقلاني يستنكر الأوهام والتقليد، واتباع ما ليس لنا به علم، ويقيم الأحكام الشرعية على أساس علل ومقاصد مبينة لمراعاة الصلاح، ومنع الفساد، وتزكية النفس وإعلاء غرائزها، ورفع الحرج عنها، وتحريم الضرر بالنفس، والإضرار بالغير، وإعلان المساواة بين الرجل والمرأة في التكاليف والواجبات وفي الحقوق والجزاءات(18).

ثالثهــا : أن خطابه للناس خطاب للأمم والأديان السابقة كلها وللمعتقدات جميعها التي كانت في عصر مجىء الدعوة الإسلامية والتي كانت قد التقت في صراع بينها كاليهودية والمسيحية والمجوسية والصابئة والوثنية، فجاء خطاب القرآن موجهاً إلى جميع هذه المعتقدات مخالفاً أو مصححاً أو مبطلاً، محاوراً أهلها حواراً عقلياً، مدعوماً بالحجة والبرهان. ولم يكتف بالجانب العقدي، وإنما أكمل العقيدة بالشريعة، وقرن الإيمان بالعمل، ووضع أصول النظام الاجتماعي المتوازن.

رابعهـــا : كونه جاء ملائماً للفطرة الإنسانية في أحكامه وقيمه الخلقية، لأنه بحكم عمومه وشموليته ودوامه، لا يمكن أن يتقيد بأي قيد يجعله خاصاً بعصر من العصور، أو بيئة من البيئات، أو أمة من الأمم. ويوضح أحد العلماء المسلمين هذا الأساس من أسس الإسلام، فيبين أن الحكمة في أن الله تعالى جعل "الإسـلام" دين الفطرة كما نفهم من قوله تعالى : { فأقم وجهك للدين حنيفاً، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين القيم }(19)، أنه لما أراد تعالى جعله ديناً عاماً لسائر البشر، ودائماً إلى انقضاء العالم، جعله مساوقاً للفطرة المتجذرة في النفوس، لتكون الجامعة العامة بين البشر مشتقة من الوصف المشترك بينهم، وهو وصف الفطرة، لأن شعوب العالم يختلفون، ولا يمكن جمعهم جمعاً عملياً في جامعة واحدة أو شريعة واحدة، ما لم يعتمد في ذلك على تحكيم الفطرة(20).
  رد مع اقتباس
قديم 24-Mar-2007, 07:55 PM   رقم المشاركة : ( 6 )
عضو مبدع

الصورة الرمزية القعقاع

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12360
تـاريخ التسجيـل : Feb 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 282 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : القعقاع is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

القعقاع غير متواجد حالياً

ومن مقتضيات الموافقة مع الفطرة العمل بما يهدي إليه العقل وتؤكده التجربة. والأخذ بالوسطية والاعتدال، والإقبال على الطيبات، والنفــــور من الخبائث، واتباع اليسر في الأعمال والتكاليف، وتحقيــق المصالح ودرء المفاسد، ولاسيما في التشريع لأن المجتمعات تتطور، والبيئات تختلف، ولابد من تحكيم المقاصد العليا للشريعة، لا التقيد بأحكام إن كانت صالحة لزمانها فإنه ليس من الضروري أن تصلح لزمن آخر.

وليس بين ظواهر النبوات المتعاقبة في التاريخ المدون ظاهرة موثقة بأقوى وسائل التوثيق التاريخي كالرسالة المحمدية، لاسيما ودليلها هو القرآن الذي يمكن الرجوع إليه، وإثبات كونه وحياً من الله بأكثر من دليل.

ومن المطلـوب منهجياً أن يقف المــرء على مفهـوم الديـن في النص القرآني، وعلى ما لـه من مضامين مختلفة ليتأكـد من خلالها أن القـرآن صـادر عن وحي إلهـي، وأنه حـين يخاطب كل العقائـد والملل التي كانت معروفــة يومئذ فإنه لم يتأثر بأي منهما، ولاسيما باليهودية والنصرانية التي ادعى قساوسة الكنيسة فيما بعد أن الرسول تأثر بها وحرفها. والقرآن نفسه يشير إلى هذه الدعوى الباطلة ويرد عليها في أكثر من موضع في القرآن.

فما هو مفهوم الدين في النّص القرآني ؟. إن تحديد هذا المفهوم يلقي الضوء الكاشف على المفهوم الذي تنطلق منه كل الأديان السماوية، فضلاً عن الدين الإسلامي نفسه ؟.

لقد استعمل القرآن الكريم لفظ الدين زهاء ثمانين مرة وفي سياقات متعددة، يمكن الاستنتاج من أمثلتها أن لفظ الدين دل فى القرآن على عدة معان تجاوزت ما حصره بعض العلماء المتقدمين لهذا اللفظ ؛ وهي الطاعة والجزاء والملة. لقد ورد لفظ الدين بمـعنى الطـاعة في آيـات متعـددة، منـها على سـبيل المـثال قـوله تعالـى : { وله ما في السماوات والأرض، وله الدين واصـبا }(21)، وقوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين }(22).

وورد بمـعنى المـلة والـديانة مهما كان مذهبها وعقيدتها، مثل قوله تعالى : { لكم دينكم ولـي ديـن }(23)، وقوله تعالى : { قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم }(24)، وقوله تعالى : { وذَرِ الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً }(25).

وورد بمعنى التوجه المخلص إلى الله رغبة ورهبة، ومن قوله تعالى : { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين }(26)، وقوله تعالى : { وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين }(27).

وورد لفظ الدين بمعنى الشريعة الإلهية المنزلة الجامعة بين الإيمان والعمل كـالإسـلام، ومـن قـوله تـعالى : { أم لهـم شـركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله }(28)، ومنه قوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت علـيكم نعمتي ورضيـت لكم الإسلام دينا }(29).

ولنا ملاحظتان تنبغى الإشارة إليهما، أولاهما أن تحديد المعنى الدقيق للفظ "الدين"، من بين الدلالات المشار إليها سابقاً يعود إلى سياق اللفظ داخل الآية القرآنية، وأنه في جميع هذه السياقات يتراوح المفهوم بين التخصيص والتعميم، وبين المعنى الاصطلاحي الذي جاء به الاسلام، وبين المعنى اللغوي العام، والملاحظة الثانية أن لفظ الدين اصطلاحاً يطابق الإسلام في مثل قوله تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام }(30)، وقوله تعالى : { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض }(31)، وقوله تعالى : { إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون }(32).

فأمامنا إذن مفهوم خاص "للدين" يستعمله القرأن غالباً، وهو الذي يطابق معنى الإسلام. ومفهوم عام يعني الملة أو الطاعة لله تعالى، والانقيـــاد لألوهيتـه، باختيار إرادي من الإنسان، أي عن تصديق واقتناع بما جاء به الدين.

والإسلام بهذا المعنى الشامل يمكن أن يعنى كل الأديان السماوية، باعتبارها سلسلة رسالات متعاقبة تتفق في العقيدة وتختلف في الشريعة(33). وقد أوضح القرآن بكيفية واضحة أن "الدين" بهذا المعنى رافق مسيرات البشرية منذ البداية، ولاسيما بعد تلقي آدم أمر الاستخلاف في الأرض وتحمله للأمانة العظمى من دون سائر الأكوان.

والإسلام باستحضار كل هذه المعاني، دين كوني، يعني إسلام الكون لخالقه اضطراراً، وإسلام الإنسان لخالقه اختياراً، ليستحق الجزاء على موافقته أو مخالفته، قال تعالى : { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً. وإليه ترجعون }(34).

لذلك انطلق العلماء والمفكرون المسلمون في تحديد الدين وبيان حقيقته من هذه المعطيات القرآنية. وأجمعوا على أن الدين هو وضع إلهى سائق لذوي العقول، باختيارهم إياه، إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل، وهو يشتمل العقائد والأعمال(35).

وقد اخترنا من تحليل العلماء المسلمين لظاهرة "الدين" بمعناه القرآني ثلاثة نماذج متكاملة فيما بينها.

أولها للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الذي يرى أن كل شيء في الكون، ولاسيما عالم الأحياء، يسعى نحو كماله عبر مراحل من التطور والتدرج، حتى يبلغ الغاية التي لا مزيد عليها في تكوينه الجسماني، وقـواه الغريزية الحيوية، للحفاظ على ذاته وعلى نوعه وكماله، فكل كائن له مسيره الخاص ومجهز بقوانين ذاتية لاستكمال وجوده. والإنسان غير مستثنى لا من هذا القانون العام، ولا مـن هـذا التـطور السائر نحو الكمال، وهو المعبر عنه قرآنياً بالهداية، قال تعالى : { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى }(36)، إلا أن الإنسان يتميز عن سائر الكائنات بكونه أكثر احتياجاً إلى أسباب اكتماله وارتقاء نوعه، ووصوله إلى الغايات القصوى من وجوده، فهو لا يقدر على تتميم كل نواقصه، وسد كل حاجاته، إلا بالاجتماع المنزلي والمدني بشكل منتظم ومستقر، يتضامن فيه مع غيره، لتحقيق مآربه والتعاون على تحقيق مصالحه. غير أن هذا الاجتماع الذي تقتضيه الضرورة المعاشية والدوافع الغاذية للإنسان، تقف في وجهه ضرورة أخرى، لا ينفك الطبع الإنساني عنها، وهي الاختلاف في مدارك العقول وتقويم المصالح وتنازع الأهواء وتدافع الرغبات. وهكذا يبدو أن الاختلاف والتنازع فطري في الإنسان بقدر ما هو فطري أيضاً حب الاجتماع والتعاون، وتزاحم فطرتين أو تعارض ضرورتين يقتضي حكماً خارجاً عنهما أو فوقهما، مصدره فوق العقل والغريزة، وهو الدين الذي يمثل الهداية الإلهية لهذا الإنسان، ليتغلب بها على تناقضاته الغريزية، ولذلك قال الله تعالى : { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم. فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من ي
  رد مع اقتباس
قديم 24-Mar-2007, 07:55 PM   رقم المشاركة : ( 7 )
عضو مبدع

الصورة الرمزية القعقاع

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12360
تـاريخ التسجيـل : Feb 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 282 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : القعقاع is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

القعقاع غير متواجد حالياً

إلى صراط مستقيم }(37).

إن التنافي بين دافعين فطريين لا يضر إذا كان فوقها ثالث يحكم بينهما، ويحقق العدل بين تأثيرهما ؛ فسلوك فطرة الإنسان نحو الاجتماع المدني ثم سلوكه الذي يطبعه الاختلاف يؤديان إلى التناقض، ولكن الله يبعث الأنبياء والرسل ليرفعوا ذلك التناقض بالشريعة التي تضمن التوازن والعدل. فمحصل معنى الآية الآنفة الذكر أن الناس أمة واحدة من حيث حاجتهم إلى الاجتماع المدني، وهو يوجب الاختلاف، فلذلك بعث الله الأنبياء وأنزل الكتاب.

ثم انتهى العلامة الطباطبائي من تحليل هذا المعنى إلى النتيجة التالية : وهي أن الدين هو سلوك في الحياة يتضمن صلاح الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي. ولابد في الشريعة من قوانين تنظم أحوال المعاش على قدر الاحتياج، وأيضاً فإن الدين الإلهي لم يزل يستكمل حلقاته ليستوعب بقوانينه وأحكامه جهات الاحتياج في الحياة، فإذا استوعبها ختم ختماً فلا دين بعده(38).

والنموذج الثاني للعلامة التونسي محمد الطاهر بن عاشور الذي يرى أن الدين الإلهي منذ ظهوره الأول إلى ختم الرسالة يتضمن قصداً واحداً، هو حفظ نظام العـالم الإنـساني، وصـلاح أحـواله، فالـصلاح مـراد للـه تـعالى. قـال تعـالى : { وإذا تـولى سعـى فـي الأرض ليفـسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد }(39)، وقال على لسان بعض رسله : { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت }(40).

من أجل ذلك لم تزل الشرائع تضبط تصرفات الناس في هذا العالم بقوانين مانعة من مغالبة الميول النفسانية في حالي الغضب والشهوة ومن مواثبتها، بحسب ما تدعو إليه الحكمة والرشد. وتلك المغالبة والمواثبة تحصل عند التزاحم والتسابق لتحصيل الملائم ودفع المنافر، فوظيفة الدين تعليم أتباعه، وهدايتهم إلى ما فيه صلاحهم عاجلاً أو آجلاً. ولما كان المجتمع الإنساني مكوناً من أفراد يقتربون ويبتعدون من درجة التطبع بالأخلاق الدينية، كان إصلاح هذا المجتمع غير حاصل إلا بإصلاح أجزائه التي هي نفوس أفراده، فيلزم ذلك أن يكون إصلاح تلك النفوس مبنياً على مراعاة أحوالها وفطرتها. والمقصود بالفطرة ما خلق الإنسان عليه في ظاهره وباطنه، وما طبع عليه تكوينه، جسداً وعقلاً ؛ فإذا كان الإنسان قد فطر على أن يمشي على قدميه، فإن مشيه على يديه مخالف للفطرة، وكذلك فطر الإنسان أن يعمل بيديه، فالعمل بغيرهما مناف للفطرة، وكذلك استنباط الأسباب والعلل من المسببات والمعلولات هو من طبيعة العقل، ومحاولة استنتاج الشيء من غير سببه أو بناء العلم على غير دلائله ليس من فطرة الإنسان(41).

وأما النموذج الثالث فهو للإمام الشيخ محمد عبده، وهو يسلك في الاستدلال على حاجة البشر إلى "الدين" الإلهي مسلكين :

أولهما استحضار الإجماع العام من لدن جميع المفكرين في كل ملة وفلسفة على أن للإنسان حياة بعد موته، وأن لروحه بقاء بعد مفارقتها للجسد. وهذا الاعتقاد راسخ لدى معظم الناس في مختلف العصور والبلدان، بدليل وجود ذلك في التراث الشفوي والكتابي بكل اللغات. ولذلك كان من حكمة الله أن يدل الإنسان على حقيقة هذا البقاء، فاختص طائفة من البشر لتبليغ هذه الهداية، وإخراج الإنسان من الحيرة في مسألة المعاد، وأن الغاية منه هو الجزاء العادل على ما قدم الإنسان في دنياه من أعمال. وهذا الاستدلال يؤكد ما للدين معنى الجزاء.

وثاني المسلكين يعتمد النظر في أحوال المجتمع الإنساني، وقيامه بالضرورة على التعاون بين جميع أفراده، وهذا الاجتماع يقتضي بالضرورة أيضاً التنازع حول المصالح بدافع الغزيرة. وبحكم ما للإنسان من ضمير حـي أو عقل مستنير، فإنه يدرك معنى العدل ويسعى أحياناً إلى الامتثال لسلطانه، ولاسيما حين يكون مظلوماً. وبما أن فقدان التوازن بين الأفراد والجماعات، فيما يخص التهالك على الملذات والصراع حول المصالح بدون أن تنفع في تحقيقه قوانين أو سلطة نافذة لأنهما لا يقومان إلا على حماية الأقوياء، ولا تكون إلا من صنع طبقة اجتماعية سائدة، فإن الحيرة تنتاب العقلاء عن معنى الحياة التي يجور فيها القوي على الضعيف، ويستغل فيها الإنسان أخاه الإنسان، دون مرجعية يخضع لها الجميع، فاقتضت حكمة الله ورحمته بالإنسان أن يهديه وسط هذا الصراع الدائر إلى ما يحفظ الهيأة الاجتماعية من الاندثار والانحلال، ومن شريعة الغاب، وذلك بإنزال الشريعة التي تتنزه عن مراعاة طائفة من المجتمع على حساب أخرى، أو عن إيثار مصالح فئات على مصالح فئات أخرى، وهذه هي الغاية من "الدين" حينما يعزز العقيدة بالشريعة. وإذا سلمنا بهذه المقدمات وجب الإقرار بما يترتب عليهما من ضرورة الدين للبشرية.

فإذا اعترض معترض : لماذا لم يزل الناس حتى بعد مجيء الأديان السماوية الهادية إلى العدل والتوازن، يعيشون نفس الصراع والتدافع بدل التناصف، ولاسيما بالنسبة للمسلمين ؟. أجيب بأن المسلمين في العهد النبوي كانوا يشعرون بما عليهم من مراقبة روحية ويلتزمون بتوجيه الرسول# وبحكمه في كل شؤونهم، وأنه بعد ذلك تراخى بهم الزمن، وضعفت لديهم المراقبة الذاتية التي هي أخص خصائص "الدين"، لأن منزلة النبوة في العهد الأول بمثابة العقل في الشخص، أو بمثابة البصر عنده. فلما ولّى عهد النبوة تغلبت الأهواء على تلك القـوة المبصرة، كما يغشى العين ما يغشاها من الأمراض التي تحول دون الرؤية السليمة.

وينتهي محمد عبده إلى القول بأن الدين أشبه بالبواعث الفطرية الاجتماعية منه بالدواعي الاختيارية، وقد يعرض له من العلل ما يعرض لغيره من القوى والملكات الإنسانية.

يبقى أمامنا أن نستحضر في هذا السياق أن "الدين" قد واجه خصمين لدودين في الظاهر منذ أكثر من ألفي سنة، أولهما هو "الفلسفة" التي عجزت عن أن تجد في الاستدلال العقلي المحض ما يثبت الحقائق الدينية، ابتداء من فلسفة اليونان، وانتهاء بفلسفات العصور الحديثة. وهذا لا يعني أنهما لم يلتقيا بالمرة تلاقي تكامل لدى بعض الفلاسفة من المسلمين والمسيحيين، إلا أنه كان تلاقياً عجز عن تذويب الحاجز المنيع بينهما، لأن الفلسفة مرجعها "العقل" وحده، والدين مرجعه الوحي الذي يفوق مدارك العقل.

وأما الخصم الثاني اللدود، فهو "العلم الحديث" الذي يعتمد مرجعية أخرى هي التجربة والاستقراء للظواهر، والبحث عن قوانين الترابط فيما بينها، مكتفياً بمنهجه الصارم الذي لا يعترف بغير الطبيعة المادية للكون. وقد استطاع العلم اليوم أن يوجه ضربات موجعة إلى العقائد الدينية، ولاسيما حينما كشف أن الكثير مما اعتقده الناس قبل العصر الحديث أو تصوروه عقلياً هو من قبيل الخرافة.

والواقع أن تصادم "العلم" مع الدين إنما بدأ مع الدين المسيحي أو مع الفكر "الكنسي" المسيحي منذ عصر النهضة الأوروبية، وما تلاها من قرون إلى اليوم ؛ لأن العقيدة المسيحية كما صاغها آباء الكنيسة كانت تتصادم مع العقل ومع العلم تصادماً لم يفلـح في تجـاوزه كبار الفلاسفـة المسيحيـين المحدثـين أنفسهـم. ومن ثم بدأ التمـرد علـى "الدين" المسيحي في عصر الأنوار، وهو القرن الثامن عشر في أوربا، وفي فرنسا على وجه الخصوص. وقد سمي عصر الأنوار كذلك لظهور الأفكار الجرئية خلاله، والتي أخذت تقوض الخرافات والمعتقدات الوهمية بمعول العقل وأنوار العلم.

والواقع أننا نواجه في تحديد طبيعة الدين وغايته اختلافاً واسعاً بين الناظرين إليه والمعنيين بالبحث فيه، من علماء وفلاسفة ومتكلمين وباحثين، بل إننا نجد الاختلاف كبيراً حتى فى أوساط المتدينـين، وبين أهل الدين الواحد أنفسهم، ولذلك فالوصول إلى رأي مشترك حول طبيعة الدين من أشق الأمور، وبرغم ذلك فإن اتباع المنهجية العلمية يقربنا إلى الحقيقة. وهذه المنهجية ذات توجهين مستقلين :

فإما أن نأخذ توجهاً منهجياً داخلياً يعتمد الاعتقاد بالحقيقة الإلهية، والتدرج منها إلى الاستدلال على ما تقتضيه من حكمة وهداية للخلق، لانتشال العالم من العبثية والضياع، وحينئذ ينظر في حقيقة الدين في ضوء ما يحققه من هذه الغاية القصوى من وجود الإنسان، وإما أن يعتمد التوجه المنهجي الخارجي الذي يتذرع بالموضوعية العلمية بإنكار الحقيقة الإلهية، واعتبار الكون مادة أزلية لا هدف من وجودها، ولا قيم تترتب عليها، وحينئذ ينتهي المطاف إلى اعتبار "الدين" من صناعة البشر حسب ما تقتضيه مصالحهم في كل عصر من العصور. وليس يوجد قاسم مشترك بين الاتجاهين، وبذلك يظل "الدين" محكوماً بإحدى نظرتين ؛ نظرة المؤمنين الذين يستدلون على صدق الرسالات السماوية بمختلف الأدلة العقلية والنقلية، ونظرة الملحدين الذين يتبين من حجاجهم أنهم يفتقدون حاسة الإيمان. ومن المعلوم أن عدم الإحساس بالشيء لا يقوم دليلاً على عدم وجوده(42).

هذا ما يدعونا اليوم على نحو أكثر إلحاحاً إلى تقييم ظاهرة الدين من منظور شمولي يلائم هذه الظاهرة في تعدد أبعادها وتعقيدها، ويتجاوز المنهج الاجتماعي والفلسفي الذي تقيد بتراكمات التجربة الدينية إلى حـد الجمع بين الصحيح والزائف منها.

يجب أن يكون أصل النظر إلى" الدين" هو الإيمان بوجود "المطلق" الذي هو "اللـه"، فإذا آمنا بوجود هذه الحقيقة المطلقة سلمنا بوجود "علاقة" قائمة بين الله خالقاً ورباً للعالمين، وبين الإنسان بوصفه مخلوقاً مربوباً، وكائناً مؤهلاً لاستيعاب هذه الحقيقة، وقادراً على تجسيد إيمانه بما يتناسب وعمق هذا الإيمان ورحابته، ولنا أن نعتبر هذه العلاقة هي العقيدة الدينية في صورتها المثلى.

وهناك افتراضان لا ثالث لهما، أحدهما أن "الحقيقة الإلهية" تعني كمالها المطلق الذي يتضمن الحكمة من خلق الكون، وإبداع الإنسان. وفي هذه الحالة لا يمكن إلا أن يكون خالق الإنسان قد ألهمه الهداية إليه، وفطره ابتداء على الإيمان به ليتحقق القصد من خلق العالم على أساس العبودية لله. والثانية أن يكون الإنسان قد خلق سدى، وجعل هملاً، فيكون خلق الله خالياً من الحكمة، عديم القصد والغاية، بل ويكون وجود هذا الإنسان مجرد حركة دائرية مفرغة من الحياة والموت، والكون والفساد، والتركيب والانحلال. والعقل الإنساني يرفض هذا التصور، بالدلائل الكونية والطبيعية والعقلية. وحينئذ لا يبقى في ميزان العقل الحصيف إلا التصور الأول الذي يؤمن بوجود الحق سبحانه، وبالحكمة من خلقه للكون، وهي حكمة لا تستكمل تجليها إلا في هداية كل الكائنات لحفظ وجودها وبلوغ الغاية من خلقها، إما بالغرائز والدوافع الأولية في عالم الحيوان، وإما بالغرائز والفطرة والعقل والقوى الروحية الأخرى في عالم الإنسان. وأدل دليل على هذا التوجيه الإلهي المسبق للإنسان، أنه خلقه في أحسن تقويم وعلمه البيان وسخر له الأكوان.

فباللغة التي خص بها الكائن الإنساني دون سواه كشف الإنسان عن كل فعالياته ؛ أي قدراته العقلية والوجدانية في احتواء الكون، وصياغة ما هو مستكن في ضميره ووعيه، من معارف وعلوم صياغة تجعل الزمان على امتداده اللانهائي لحظة واحدة بين سوالف الدهور وتعاقب العصور، في وعي مستمر بما حصدته تجارب الإنسان من علوم ومعارف، فكانت جسراً للعبور بالكائن الإنساني من الماضي السحيق إلى الحاضر، فإلى المستقبل، باللغة المكتوبة المورثة لكل علوم ومعارف السابقين واللاحقين. وبفضل هذه اللغة تواصل الإنسان مع الإنسان خارج نطاق الزمان والمكان.

إن اللغة التي لا يماري أحد في قيمتها المطلقة، هي خير شاهد على الهداية المسبقة من خالق الإنسان إلى الإنسان، وتأهيله للقيام بالأمانة الملقاة عليه. ومن ثم اقترن الدين باللغة في كل بيئة وزمان، فهما توأمان منذ فجر تاريخ هذا الإنسان.
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
الدفائن والكنوز العثمانية أبو مثنى قسم فك رموز الدفائن بالاشارات والاجهزة 666 20-Mar-2016 01:50 AM
الإختراع عربى مصطفى11 قسم فك رموز الدفائن بالاشارات والاجهزة 19 20-Apr-2008 04:41 AM
الأمراض النفسية وعلاجها الروحي في الإسلام شمس الإسلام قسم حل المشكلات الأسرية والإجتماعية والإرشاد النفسي 0 28-Dec-2007 10:31 PM


الساعة الآن 07:50 PM.


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
سبحان الله وبحمده :: سبحـان الله العظيم

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42