العودة   دار الرقية الشرعية > المنتديات العامه > قسم وجهة نظر

إضافة رد
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 08-Nov-2007, 05:36 PM
 
عضو متألق

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  يحي غوردو غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 15151
تـاريخ التسجيـل : Jun 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  المغرب
الـــــدولـــــــــــة : المغرب
المشاركـــــــات : 440 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : يحي غوردو is on a distinguished road
كيف تحولت المفاهيم في الفكر العربي الإسلامي؟

لماذا ذهب الفكر العربي الإسلامي إلى تجسيد الجن ولم يذهب إلى تجسيد الملائكة؟

منذ زمن بعيد وحتى عصرنا هذا لم يوجد من ادعى أنه صادف أو التقى أو رأى ملكا من الملائكة، بالمقابل ادعى كثير من الناس رؤيتهم للجن والتعامل معهم ومنهم من تزوج وأنجب منهم ذرية صالحة أو طالحة.
تبين الآيات والأحاديث بصراحة تجسد الملائكة في شكل بشر وقد تكلم الأنبياء والرسل معهم كما أن الصحابة رأوهم في عصر النبوة.
يقول تعالى في كتابه العزيز:
- فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا  (مريم 17)
- وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ  قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ الحجر 51-53)
- فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (الحجر 61-62)
- وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ  وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (الأنعام 8-9)
- قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (الإسراء 95)
وفي صحيح مسلم من حديث عن عبد الله بن عمر قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله  ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه (...) قال ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال لي: "يا عمر! أتدري من السائل؟ " قلت: الله ورسوله أعلم قال: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم".
و في صحيح البخاري عن أبي هريرة : أن رسول الله  كان يوما بارزا للناس، إذ أتاه رجل يمشي(...) ثم انصرف الرجل، فقال: (ردوا علي). فأخذوا ليردوا فلم يروا شيئا، فقال: (هذا جبريل، جاء ليعلم الناس دينهم).
قوله فأتاه رجل، أي ملك في صورة رجل، وفي التفسير إذ أتاه رجل يمشي، ولأبي فروة فإنا الجلوس عنده إذ أقبل رجل أحسن الناس وجها وأطيب الناس ريحا كأن ثيابه لم يمسها دنس. ولمسلم من طريق كهمس في حديث عمر: بينما نحن ذات يوم عند رسول الله  إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر وفي رواية بن حبان سواد اللحية لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي  فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخديه وفي رواية لسليمان التيمي ليس عليه سحناء السفر وليس من البلد فتخطى حتى برك بين يدي النبي  كما يجلس أحدنا في الصلاة ثم وضع يده على ركبتي النبي  وكذا في حديث بن عباس وأبي عامر الأشعري ... (أنظر فتح الباري)
وحدثنا أبو عثمان قال: أنبئت أن جبريل عليه السلام أتى النبي  وعنده أم سلمة، فجعل يحدث ثم قام، فقال النبي  لأم سلمة: (من هذا). أو كما قال، قالت: هذا دحية، قالت أم سلمة: وايم الله ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطبة نبي الله  بخبر جبريل. (صحيح البخاري)
قوله فقال لأم سلمة من هذا فاعل ذلك النبي  استفهم أم سلمة عن الذي كان يحدثه هل فطنت لكونه ملكا أم لا؟ قال الداودي هذا السؤال إنما وقع بعد ذهاب جبريل وظاهر سياق الحديث قوله قالت هذا دحية أي بن خليفة الكلبي الصحابي المشهور، وكان موصوفا بالجمال وكان جبريل يأتي النبي  غالبا على صورته قوله فلما قام أي النبي  ذاهبا إلى المسجد وهذا يدل على أنه لم ينكر عليها ما ظنته من أنه دحية اكتفاء بما سيقع منه في الخطبة مما يوضح لها المقصود قوله ما حسبته إلا إياه هذا كلام أم سلمة وعند مسلم فقالت أم سلمة أيمن الله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبي  يخبر بخبر جبريل أو كما قال في رواية مسلم.
وجاء في دلائل البيهقي من رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها رأت النبي  يكلم رجلا وهو راكب فلما دخل قلت من هذا الذي كنت تكلمه قال بمن تشبهينه قلت بدحية بن خليفة قال ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة... وفي هذا الحديث أن للملك أن يتصور على صورة الآدمي وأن له هو في ذاته صورة لا يستطيع الآدمي أن يراه فيها لضعف القوى البشرية إلا من يشاء الله أن يقويه على ذلك ولهذا كان غالب ما يأتي جبريل إلى النبي  في صورة الرجل كما تقدم في بدء الوحي وأحيانا يتمثل له الملك رجلا ولم ير جبريل على صورته التي خلق عليها إلا مرتين كما ثبت في الصحيحين، وفيه فضيلة لأم سلمة ولدحية وفيه نظر لأن أكثر الصحابة رأوا جبريل في صورة الرجل لما جاء فسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان. (فتح الباري)
يتضح لنا من هذه الأحاديث وغيرها أن نوعا من الملائكة على الأقل نزل في صورة بشر كما وقع لمريم البتول وكما حدث مع سيدنا ابراهيم وسيدنا لوط عليهما السلام وسيدنا محمد  وقد رآهم بعض الصحابة ولكن لم يعرفوا بأنهم ملائكة إلا بعد أن أخبرهم النبي بذلك...
فالملائكة مخلوقات متنوعة ولها مهام وأسماء وخصائص مختلفة، منها جبريل وميكال ومالك وحملة العرش والروح والكتبة والحفظة والمعقبات والمدبرات وهاروت وماروت... وأشكالها أيضا مختلفة منها ذات الجناحين والثلاث والأربع والأكثر من ذلك، قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  (فاطر 1)
في عصرنا هذا لم نسمع عن عالم جليل أو فقيه ورع جاءه ملك أو ظهر له أو تعاقد معه... بالمقابل يتحدث الكثير من الناس ومن بينهم العلماء طبعا - من السلف والخلف من أمثال الإمام أحمد وابن تيمية والشبلي وابن باز وعبد السلام بالي وغيرهم- عن ظهور الجن والشياطين في أشكال مختلفة وتلبس بعض الناس بهم ويجزمون أن بينهم وبين السحرة عقود وتعاملات متعددة وتزوج منهم خلق كثير وأنجب... وقد تحولت الكثير من القصص عن الجن حتى أصبحت خرافة/اسطورة لا يصدقها عاقل. فكيف يتم ذلك؟

عادة ما يتم البحث في الأشكال الأسطورية للجن، بعقل أسطوري هو الذي أوجدها أصلا.
تلعب الخرافة والأسطورة دورا هاما في تشكيل الوعي الجماعي وقد تشير إلى نظرة الشعوب للماورائيات والمواضيع الغامضة التي يقف أمامها العقل البشري عاجزا عن تحليل معانيها بوضوح. شاعت تلك القصص الخيالية إن صح التعبير، لدى الشعوب البدائية واستمرت تتناقل عبر الأجيال حتى سادت بين الشعوب المتحضرة، فالأسطورة ما هي إلا خلاصة تفكير شعب ما في عصر ما. إجمالا تلك الأساطير تعنى بالقصص التي يلعب فيها الخيال الدور الأول وتتناوله خوارق الطبيعة، أعمال الآلهة، خلفيات العادات الاجتماعية، القصص الحيوانية الغريبة، وكلها تعكس تفكير هذه الفئة من الناس وتدل على طرق فهمهم وتقييمهم لما يحيط بهم من معان يصعب عليهم فهمها بشكل واضح.
ما يعنينا في هذا المجال، الالتفات نحو الإنسان العربي المسلم وإلقاء الضوء على كيفية تفسيره للظواهر الخارقة ومنها "الجن" وما أحاط بهذا الموضوع من خوارق وأعمال فاقت قدراته وقدراتنا البشرية.
لقد تناول الجاحظ هذه الفكرة حين أورد في كتابه "الحيوان" ما يلي: " إذا استوحش الإنسان تمثل له الشيء الصغير في صورة الكبير، وارتاب وتفرق ذهنه، فرأى ما لا يرى، وسمع ما لا يسمع، وتوهم الشيء ال**** أنه عظيم جليل..."
حينما يسيطر الجهل والخوف على الإنسان فإنه يفسر الظواهر والخوارق على هواه وكيفما أراد عقله. فيمزج الحقيقة بالخيال ليريح ذهنه من التفكير وبدنه من عناء البحث والتنقيب. لكن يبقى لكل حدث أصل وحقيقة والحقيقة مرتبطة بالمكان والزمان الذي وقع فيهما الحدث وبالأشخاص الذين عاينوه وبدرجة صدقهم ووعيهم وتفسيرهم. فإذا سقط واحد من هذه الركائز –الثالوث- (المكان، الزمان، الأشخاص) أو أختل أحدها تحولت الحقيقة إلى خرافة ثم إلى أسطورة ولا يفصل الحقيقة عن الخرافة إلا شعرة دقيقة جدا، كما أن فهم الكلمات وتفسيرها وشحنها بمفاهيم مغايرة يلعب دورا مهما في تشكيل الوعي الجماعي....

يقول تعالى في كتابه العزيز في شأن الملائكة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (فاطر 1)
فالملائكة، حسب النص القرآني ـ الذي يعتبر أرقى درجات الحقيقة بالنسبة لنا نحن المسلمين ـ لها أجنحة حقيقة، لكن إذا اختلط على الناس الأمر وبدلوا كلمة "الملائكة" بكلمة "الجن" أو اعتقدوا أن الملائكة أصلهم من الـجِنَّةُ، كما قال ذلك بعض العلماء:
ولقد عَلِـمَت الـجِنَّةُ إِنهم لـمُـحْضَرُون؛ قالوا: الـجِنَّةُ ههنا الـملائكةُ عند قوم من العرب، وقال الفراء فـي قوله تعالـى: وجعلوا بـينه وبـين الـجِنَّةِ نَسَباً، قال: يقال الـجِنَّةُ ههنا الـملائكة، وكان أَهلُ الـجاهِلـيَّة يسمّون الـملائكة، علـيهم السلام، جِنَّاً لاسْتِتارِهم عن العيون.
وقد قـيل فـي قوله عزّ وجلّ: إِلا إِبلـيس كان من الـجنِّ؛ إِنه عَنى الـملائكة، قال أَبو إِسحق: فـي سِياق الآية دلـيلٌ علـى أَن إِبلـيس أُمِرَ بالسجود مع الـملائكة، قال: وأَكثرُ ما جاء فـي التفسير أَن إِبلـيس من غير الـملائكة، وقد ذكر اللَّه تعالـى ذلك فقال: كان من الـجِنّ؛ وقـيل أَيضاً: إِن إِبلـيس من الـجنّ بمنزلة آدمَ من الإِنس، وقد قـيل: إِن الـجِنّ ضرْبٌ من الـملائكة كانوا خُزَّانَ الأَرض، وقـيل: خُزَّان الـجنان.
قال النووي رحمه الله: إبلـيس كنـيته أبو مرّة، واختلف العلـماء فـي أنّه هل هو من الـملائكة من طائفة يقال لهم الـجن، أم لـيس من الـملائكة، وفـي اسمه هل هو اسم أعجمي أم عربـي، قال عبد الله بن عباس وابن مسعود وابن الـمسيب وقتادة وابن جرير والزجاج وابن الأنباري : كان إبلـيس من الـملائكة من طائفة يقال لهم الـجن، وكان اسمه بالعبرانـية عزازيل وبالعربـية الـحرث، وكان من خزان الـجنّة، وكان رئيس ملائكة سماء الدنـيا وسلطانها وسلطان الأرض، وكان من أشد الـملائكة اجتهاداً وأكثرهم علـماً، وكان يسوس ما بـين السماء والأرض...
إذا انطلقنا من مثل هذه الأقوال فإننا حتما سنصل إلى نتيجة واضحة هي أن الجن والملائكة والشياطين يقعون تحت يافطة واحدة وهي كلمة "جن" لذا قد يلتبس الأمر علينا فنخلط بين هذه الكلمات وبين محتوايتها المفاهيمية...
لنرى ماذا يقول لنا القاموس عن كلمة "جنن" : في اللغة ، جن الشيء يجنه جنا: ستره. وكل شيء ستر عنك فقد جُن عنك. أجنه: ستره. جِن عين: أي ما جُن عن العين فلم تره، ستر عنها. والجن لغة ضد الإنس، فلغويا إذا اعتبرنا كلمة "جن" بمعناها العام، أي كل كائن لا يرى بالعين، فالملائكة من الجن لأنهم لا يرو بالعين. وغير مدفوع أن يسمى ما اجتنّ من الأشياء عن الأبصار كلها جِنّا، فـيكون إبلـيس والـملائكة منهم لاجتنانهم عن أبصار بنـي آدم. لكن إذا اختلط الأمر واعتبرنا الجن حيا من أحياء الملائكة كما ورد عن ابن عباس: قال: كان إبلـيس من حيّ من أحياء الـملائكة، يقال لهم «الـجن» خـلقوا من نار السموم من بـين الـملائكة، وكان اسمه الـحرث. وكان خازنا من خزان الـجنة. وخـلقت الـملائكة كلهم من نورغير هذا الـحيّ. وخـلقت الـجنّ الذين ذكروا فـي القرآن من مارج من نار...
فيصبح الجن له بهذا المعنى له بعض خصائص الملائكة ومنها الأجنحة طبعا وكذلك خاصية التشكل والتجسد، يمكن للجن أن يظهر في صورة إنسان كما ظهر الملائكة في عهد النبوة، فيلتبس الأمر وتصير الحقيقة خيالا، إذ ليس هنالك أي دليل على أن للجن أجنحة أو أنها تتشكل.
أحدثت مثل هذه الأقوال وغيرها لبسا وقلبا في معاني الكلمات لدى جمهور غفير من الناس، فأصبح الجن ملكا وصار الملك جنا، وبتناقلها من مكان إلى مكان وعبر مختلف الأزمنة عن طريق عدة أشخاص يحدث فيها زيادة ونقصان وتكون لبنة لقصص وروايات بعيدة عن الصواب قريبة من الخيال... فيصبح الجن له أجنحة ويصير إبليس من الملائكة ويتشكل الجان بأشكال البشر والحيوان فيخيف ويرعب كالأفاعي.
خلاصة القول لكل مقام مقال، إذا اعتبرنا كلمة "جن" بمعناها العام: أي كل ما اجتن عن بصر الإنسان ولم ير بالعين فهو من الجن فهنا يمكن أن ندخل كلمة "الملائكة" في هذا المعنى العام، أي أنهم مخلوقات لا يراها بنو آدم بأعينهم.
كما أننا إذا فسرنا كلمة "جان" بكلمة "جن" فقط، أي بمعناها الخاص (المخلوقات التي ذكرت في القرآن والأحاديث وهي غير الملائكة من ناحية الماهية والتكوين والأصل طبعا والتي تعيش معنا على الأرض وتشاركنا المال والطعام والأولاد والحساب والعقاب دون أن نراها أو نحس بها) التبس علينا الأمر حينما نقرأ قول الله تعالى:
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
فمن فهم أن "الجان" هنا تعني "الجن" فقط، سوف يقول أن الجن يهتز ويخيف ويصبح الاهتزاز من صفات الجن والصحيح أن هناك معنى آخر لكلمة "الجان"، أي ضرب من "الأفاعي" والثعابين تهتز وتخيف بطبيعتها كما تفعل حية الكوبرا مثلا. وما يبين ذلك قوله تعالى:
- وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ 
- فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ 
فهذا يبين لنا أن عصا موسى هي التي اهتزت كالأفعى المسمات "الجان" وهي التي أصبحت "ثعبانا".
فالـمعنى القريب إلى العقل أَن العصا صارت تتـحرَّكُ كما يتـحرَّكُ الـجانُّ حركةً خفـيفةً، وكانت فـي صورة ثُعْبانٍ، وهو العظيم من الـحيَّاتِ، فشبّهها فـي عِظَمِها بالثعبانِ وفـي خِفَّتِها بالـجانِّ، ولذلك قال تعالـى مرَّة: {فإِذا هي ثُعْبانٌ}، ومرَّة: {كأَنها جانٌّ}؛ و الـجانُّ: الشيطانُ أَيضاً. وفـي حديث زمزم: أَن فـيها جِنَّاناً كثـيرة أَي حيَّاتٍ.
من مثل هذا اللبس بدأ البعض يعتقد أن الجن تمسخ أفاعي وتتشكل بشتى أشكال الحيات يمكن أن تكون لهذه الحياة أجنحة فتتشكل صورة وهمية مركبة من الملائكة والجن والحيات والأجنحة فتعطينا مخلوقات خرافية كالتنين وكالعنقاء: ذكر الزمخشري في "ربيع الأبرار" أن الله خلق في زمن موسى طيرا أطلق عليه اسم العنقاء، وجهه كوجه إنسان وله أربعة أجنحة من كل جانب...
واتفق الناس على أن العنقاء طائر غريب وجهه كوجه الإنسان، وحجمه كبير ضخم لدرجة أنه يستطيع اختطاف فيل والتحليق به عاليا، وهذا ليس بمستغرب استنادا لما قيل في عدد أجنحته البالغة ثمانية، لذا قيل إنه عند طيرانه يسمع لأجنحته دوي كالرعد القاصف.
أما المخلوق الخرافي الآخر الذي لعب فيه الخيال البشري دورا هاما، هو التنين: ذكر فيه أنه حية ضخمة توازي النخلة طولا وتشتهر بالقوة والبأس والتمرد تعيث في الأرض فسادا فتلتهم دواب البر وتنشر الخراب أينما حلت، وقد ضج منها البشر، فأرسل الله ملكا حملها ورماها في قعر البحر، فازداد تمردها وأذاها، وأخذت تبتلع كل المخلوقات المائية، وبالتالي كبر جسمها وازدادت ضخامة، فعاد إليها الملك وحملها ورماها لقوم يأجوج وماجوج.
هذا ما كان يعتقده العديد من الناس عن التنين وعن نوع ممارساته البرية والبحرية، وقد زعم بعضهم أنه رآى تنينا يبلغ طوله فرسخين. زيادة على ما تقوم من أذى ذاك الحيوان الخرافي، يؤكد البعض بأنه يتخذ شكل ريح سوداء تهب من قعر البحر وتبدأ بالدوران، مثيرة معها الغبار وتمر بالمدن وتحيل بيوتها خرابا، وتقتلع الأشجار، وتزعزع الجبال، وربما تمادى هذا الحيوان فنفث من فمه نارا تحرق الأرض وتحول زرعها يباسا. وربما اجتاز التنين وهو في السحاب وذنبه خارج عنها بالشجر العادي والبناء الشامخ فيضربه بذنبه فيهدم البناء من أصله ويَقْلَع الشجر بعروقه، ولقد احتمله السحاب من بحر أنطاكية فضرب بذنبه بضعة عشر برجاً من أبراج سورها... وروى شهود عيان من أهل الشام وأنطاكية والبحرين، أن مسجد أنطاكية أصابه الخراب عندما صعد التنين من البحر، وبدأ بالدوران ومر على المدينة، وعندما حاذى المسجد ضربه بذيله فأوقع منارته، والمنارة الموجودة هي منارة مستجدة، أما القديمة فقد أطاح بها التنين أثناء ثورته وهيجانه.
أضاف البعض أن له جناحان عظيمان كهيئة أجنحة السمك ورأسه مثل التل العظيم شبه رأس الإنسان وله أذنان مفرطتا الطول وعينان مدورتان كبيرتان جداً ويتشعب من عنقه ستة أعناق طول كل عنق منها عشرون ذراعاً في كل عنق رأس كرأس الحية ... هكذا يتمادى الفكر العربي الخرافي في وصفه لهذا المخلوق العجيب الذي لا يوجد إلا في الخيال....
أما في الفكر الأسطوري الأوروبي والشرقي، فالتنين : هو وحش عجيب غريب له رأس حية، يشبه التمساح، وله في الغالب أجنحة ومخالب، ذيله ذيل ثعبان، ينفث النارمن فمه، وهو رمز الشر والدمار.
يتبين من طريقة وصف التنين وهيجانه وتدميره للمناطق التي يمر بها، بل إحراقها أحيانا، أن هذا المخلوق الذي أخاف البشر، عهودا طويلة ونسجوا حوله قصصا وروايات ملأت عقول الأغبياء وأثرت دور النشر والمطبعات، ما هو إلا إعصار من الأعاصير الهائلة التي ترافقها الصواعق الحارقة، فعجز الإنسان عن تفسير العوامل الطبيعية التي تواجهه وتخيفه وتدمره أحيانا أدت إلى جموح خياله ولعبت بعقله وفكره وجعلته يتصور أنها حية ملتوية سوداء تنفث النار من فمها ومنخريها، تماما كما تصوره لنا أفلام هوليود الخيالية اليوم.
حينما تلتقي قصص حقيقية عن حيات ضخمة كالأصلة (بوء boa) تفترس دواب الأرض بقصص عن طائر كالعقاب يحمل بمخالبه في السماء خروفا أو غزالا صغيرا ويكبر في الخيال حتى يصبح العقاب رخا أو عنقاء والحمل فيلا، بقصص البحارة عن سمك الحوت الضخم بزعانفه الكبيرة التي تتحول إلى أجنحة تدوي وترعب، بقصص أخرى واقعية عن الأعاصير و الصواعق والبراكين الحارقة... وتنصهر مع بعضها البعض في زمن الجهل والتخلف وفي أمكنة مظلمة حول موقد النار يحكي فيها الراوي حكايته المثيرة والممتزجة بالخوف وبخيالات الضل التي تكبرها نار الموقد وتزيد في رعب الحديث، تتولد قصص خيالية نسجت وتغذت من الواقع وجنحت عنه لتعطينا مخلوقات ليس لها وجود إلا في الخيال...هذا الخيال نفسه هو الذي أطلق قيود الجن والشياطين لتعيث في الأرض الفساد وتتشكل بشتى الأشكال فتسكن أرواح البشر وتتقمص صوره وتفعل الأفاعيل باسمه وتشوه سمعته وتمنع حضر التجول في الجبال والأودية وفي الأماكن الخالية وتبني بالنسوة وهن نيام وتسرق الطعام وتطير بالأولياء في السماء وتقتل الغرباء التائهين وتحلق رؤوس النائمين وتغسل أجساد الميتين و...و...و...


------------------
- هنا رضوان، الميثولوجيا عند العرب، مجلة الفكر العربي المعاصر، 88-98 ، ص.68.
- النمل/ 10
- الأعراف / 117
- الأعراف / 107
- موسوعة أونكارتا
رد مع اقتباس
قديم 10-Nov-2007, 09:18 AM   رقم المشاركة : ( 2 )
عضو ماسي

الصورة الرمزية ((( الباحث )))

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 256
تـاريخ التسجيـل : Mar 2005
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة : الان فى جده
المشاركـــــــات : 1,885 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 12
قوة التـرشيــــح : ((( الباحث ))) is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

((( الباحث ))) غير متواجد حالياً

وجهه نظر فعلا ....

ولكن ...لنا تعقيب وتعليق عليها ....لاننا اصبحنا اسوء من المعتزله .... فالمعتزله بالغو فى تفسير ما لا يفسر على كل امر وعموم المسائل ..واما مثقفنا العربى كان انتقائيا فى تفسيراته ....ولا يضرب الافى ما لا يعلم هو ولا يستطيع علمه بالطريقه البحثيه الاطلاعيه المتعود عليها منذ قرون

لنا عوده ....


وشكرا للاخ غورو لهذا النقل ....
  رد مع اقتباس
قديم 16-Nov-2007, 12:47 PM   رقم المشاركة : ( 3 )
عضو متألق


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 15151
تـاريخ التسجيـل : Jun 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  المغرب
الـــــدولـــــــــــة : المغرب
المشاركـــــــات : 440 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : يحي غوردو is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

يحي غوردو غير متواجد حالياً

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ممتن للزيارة أخي الباحث

للأمانة العلمية الموضوع ليس منقولا كما تعتقد أخي الكريم بل هو من اجتهادي الخاص

شكرا
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
سلسلة(محاربة الفكر الهدام ومنهج التعامل معه)-1 ليبي قسم وجهة نظر 4 12-Aug-2009 04:23 PM
الفرق بين تعامل الرجل الغربي والرجل العربي مع الزوجة انتحار فتاه قسم وجهة نظر 2 05-Jan-2008 07:04 PM
كيف يدخل الجني الجسم( على شكل ....... ) ؟؟؟؟!!!!! المجرب قسم وجهة نظر 14 01-Sep-2007 03:43 PM
الجيش العربي فين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ام محمد قسم وجهة نظر 0 06-Aug-2006 11:44 PM


الساعة الآن 04:10 PM.


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
سبحان الله وبحمده :: سبحـان الله العظيم

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42