![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، أحمده حمداً كثيراً وأستغفره، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ مُحمَّداً عبده ورسوله، أمَّا بعدُ: فقد كثُرَ السؤال عن جزئية من مسألة مهمَّة في حياة المسلم، إذ هي شفاءٌ ووقاية من كلِّ داءٍ لمن أدَّاها في أوقاتها وتحيَّن لها فرصها، قال -صلى الله عليه وسلَّم-: ((من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين؛كان شفاء من كل داء))(حاشية حسن، السلسلة الصحيحة 622؛ وجاء في صحيح وضعيف الجامع الصغير 10912 بلفظ: من احتجم لسبع عشرة من الشهر وتسع عشرة وإحدى وعشرين كان له شفاء من كل داء)، وهذا بالنسبة للحجامة الاعتيادية الوقائية المخلصة من المؤذيات، وإلاَّ فللمحتاج لها لمرض أداءها متى أصيب(حاشية والأحاديث في الحجامة تناهز المئة حديث)؛ ونحن مقبلون على فصل الربيع، أمثل الأوقات للحجامة وفي الثلث الأخير الأيام المذكورات في الحديث في أوَّل اليوم؛ ذلك أن أخلاط الجسم كّثُرت في الشتاء لقلَّة الحركة وكثرة النهمة وفي الربيع تتحرك الأخلاط مع ميوعة الدم فيه فلا يُخلِّص من أمراض الربيع شيء كالفصد والاستفراغ والتقليل من الطعام(حاشية مستفاد بمعناه كلام صاحب القانون، بواسطة طوق الحمامة للألفي) . وبهذه المناسبة فإنه يحسن البحث في أحكام هذه الجزئية، وهذا مبحثٌ في كسب الحجَّام، ولكن قبل أن نخوض في المسألة، نُمَهِّدُ بتوطئة مهمَّة . . نعلم ما قد حصل في هذه العصور وفي بعض البلاد من عدم معرفة الناس بالحجامة وكيفيتها، وربما دخل فيها من لا يُحسن؛ فضرَّ الناس وسبب المشاكل وانتشار العدوى والأمراض(حاشية وقد سمعنا من هذه القصص الكثير)، هذا فضلاً عن العصور القديمة، لهذا السبب وغيره من الأسباب احترف بعض الناس الحجامة ومنهم الأطباء فبرعوا فيها وخبروا طرقها؛ فأمَّا المحتاج منهم فقد جعلها مهنته وحرفته ومدخلاً من مداخل رزقه، وأمَّا من وجد ما يكفيه فقد احتسب الأجر وقرر الابتعاد عن دنيء المكاسب إلى حسنها، فلم يأخذ أجرةً على حجامته واختار إعانة المسلمين عند احتياجهم . فأمَّا القسم الثاني من الناس فلا إشكال في عمله هذا، إذ هو باب من أبواب البرِّ والإحسان، ولكنَّ الإشكال في القسم الأوَّل . . وفي حالة خاصة من حالات القسم الثاني ألا وهي: إذا كَثُرَ عليه الناس وتوالى الطرق على بابه وعُطِّل عن مشاغله ورزقه وحبس وقته وقد اشتدت الحاجة إليه في منطقته لحذقه ومهارته، فهل له أخذ الأجر عليها؟ فقد ورد في الأخبار أن كسب الحجام خبيث، وأنَّ الرسول نهى عنه . . هذا موطن البحث؛ فبسم الله نبدأ . . مَا هُوَ كَسْبُ الحَجَّامِ ؟ ليس كسب الحجَّام المقصود في مسألتنا هذه، جميع مكاسبه جملة، فقد يكسب من ميراث، أو من ضيعة ومن تجارة، وكل ذلك مباح له بلا شك، ولم تحرم الحجامة قط بلا خلاف، ولا بدَّ له من كسب يعيش منه، وإلاَّ مات ضياعاً، فصحَّ أنَّ كسبه بالحجامة خاصة هو المقصود بأحاديث الباب . ذِكْرُ النُّصُوصِ فِي كَسْبِ الحَجَّامِ 1- عن رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَنْ رَسُولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ))(حاشية مسلم، 2932 هذا وبعض المتون والتخريجات في هذا الفصل مستفادة من كتاب طوق الحمامة المومى إليه سابقاً) . 2- وَقَولهُ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((شَرُّ الْكَسْبِ مَهْرُ الْبَغِيِّ وَثَمَنُ الْكَلْبِ وَكَسْبُ الْحَجَّامِ))(حاشية مسلم 1568). 3- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ))(حاشية رواه أحمد 7635 والنسائي 4673 وابن ماجه 2165 وصححه الألباني في صحيح النسائي وابن ماجه). 4- وعَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ؟ فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهْلَهُ، فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، وَقَالَ: ((إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ أَوْ هُوَ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمْ))(حاشية أخرجه مسلم 10/242، وأخرجه البخارى 4/ 10. سندى، واللفظ من صحيح سنن الترمذي 1278) . 5- وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- احْتَجَمَ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أَعْطَاهُ(حاشية البخارى 2/11. سندى) . 6- وعََنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَجَمَ النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَبْدٌ لِبَنِي بَيَاضَةَ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْرَه، وَكَلَّمَ سَيِّدَهُ، فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ، وَلَوْ كَانَ سُحْتًا لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-(حاشية مسـلم 10/242) . 7- وَعَنِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي إِجَارَةِ الْحَجَّامِ، فَنَهَاهُ عَنْهَا، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ، حَتَّى قَالَ: ((اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ، وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ))(حاشية صحيح الترمذي 1277)؛ وجاء في سنن ابن ماجه عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهُ فَذَكَرَ لَهُ الْحَاجَةَ فَقَالَ اعْلِفْهُ نَوَاضِحَكَ(حاشية صححه الألباني -رحمه الله- في صحيح سنن ابن ماجه 2166 و الصحيحة 1400) . فِقْهُ النُّصُوصِ تفيد الأحاديث الثلاثة الأولى حرمة كسب الحجَّام، ومنها حديث رافعٍ -رضي الله عنه- والذي فيه: ((وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ))، وهو يحتمل ثلاث معاني، الأوَّل المحرَّم كما في قوله تعالى: {وحرَّم عليكم الخبائث} وهي الأطعمة المشار إليها في الآية، والثاني الدنيء كما في قوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}(حاشية قال الشيخ السعدي في تفسيره: أمر تعالى أن يقصدوا الطيب منها، ولا يقصدوا الخبيث، وهو الرديء الدون، يجعلونه لله، ولو بذله لهم من لهم حق عليه، لم يرتضوه ولم يقبلوه إلا على وجه المغاضاة والإغماض؛ فالواجب إخراج الوسط من هذه الأشياء، والكمال إخراج العالي، والممنوع إخراج الرديء، فإن هذا لا يجزئ عن الواجب، ولا يحصل فيه الثواب التام في المندوب، انتهى كلامه؛ وهذا ما عليه المفسرون أنه رُذالة المال)، والثالث المكروه عند الناس لشيء فيه، كما في قوله -صلى الله عليه وسلَّم-: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ الْخَبِيثَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَن مَسْجِدَنَا))(حاشية أشار إلى هذا التقسيم الإمام ابن عثيمين في شرحه لبلوغ المرام، وهو استقراء من النصوص، وسيأتي تفصيله لاحقاً، وإلا فإن للخطابي تقسيم مختلف كما سيأتي بيانه)؛ والخبيث هنا بمعنى الدنيء الخسيس كما في الثوم والبصل وفي دنيء المال كلاهما، وعليه يُحمل لفظ: ((شرُّ الكسب)) الذي في صحيح مسلم عن رافع؛ قال ابن قدامة في الشرح الكبير: " تسمية كسبه خبيثاً لا يلزم منه التحريم؛ فقد سمى النبي -صلى الله عليه وسلَّم- الثوم والبصل خبيثين مع إباحتهما، وإنما كره النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك للحر تنزيهاً له لدناءة صناعته"(حاشية الشرح الكبير 6/68)، قال شمس الحق في العون: " وَقَالُوا إِنَّ الْمُرَاد بِالْخَبِيثِ فِي قَوْله: ((كَسْب الْحَجَّام خَبِيث)) الْمَكْرُوه تَنْزِيهًا لِدَنَاءَتِهِ وَخِسَّته لَا الْمُحَرَّم، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ}، فَسَمَّى رَاذِل الْمَال خَبِيثًا . . . وَقَالَ الْخَطَّابِيّ مَا مُحَصَّله: إِنَّ مَعْنَى الْخَبِيث فِي قَوْله: ((كَسْب الْحَجَّام خَبِيث))، الدَّنِيّ "(حاشية عون المعبود 7/408)، وقال المباركفوري في التحفة: " قَوْلُهُ: ((كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ))، أيْ: مَكْرُوهٌ لِدَنَاءَتِهِ"(حاشية تحفة الأحوذي 3/385)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: " قَالَ الْأَوَّلُونَ: قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ الْخَبِيثَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَن مَسْجِدَنَا))، فَسَمَّاهُمَا خَبِيثَتَيْنِ بِخُبْثِ رِيحِهِمَا وَلَيْسَتَا حَرَامًا. وَقَالَ: ((لَا يُصَلِّيَن أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثِينَ)) أَيْ: الْبَوْلُ وَالْغَائِط؛ فَيَكُونُ تَسْمِيَتُهُ خَبِيثًا لِمُلَاقَاةِ صَاحِبِهِ النَّجَاسَةَ؛ لَا لِتَحْرِيمِهِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ الرَّقِيقَ وَالْبَهَائِمَ. وَمَهْرُ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَلَا يُطْعَمُ مِنْهُ رَقِيقٌ وَلَا بَهِيمَةٌ"(حاشية مجموع الفتاوى 7/338)، وقال ابن القيَّم -رحمه الله-: " هُوَ خَبِيثٌ بِالنّسْبَةِ إلَى الْآخِذِ وَخُبْثُهُ بِالنّسْبَةِ إلَى أَكْلِهِ: فَهُوَ خَبِيثُ الْكَسْبِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ تَحْرِيمُهُ فَقَدْ سَمّى النّبِيّ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- الثّومَ وَالْبَصَلَ خَبِيثَيْنِ مَعَ إبَاحَةِ أَكْلِهِمَا . . . وَبِالْجُمْلَةِ فَخُبْثُ أَجْرِ الْحَجّامِ مِنْ جِنْسِ خُبْثِ أَكْلِ الثّومِ وَالْبَصَلِ لَكِنّ هَذَا خَبِيثُ الرّائِحَةِ وَهَذَا خَبِيثٌ لِكَسْبِهِ"(حاشية زاد المعاد 5/700)، وقال ابن عثيمين -رحمه الله-: " سمَّاه خبيثاً مبالغة في التنفير عنه، ولكنه مع ذلك لم يقل -صلى الله عليه وسلَّم-: لا يأخذ الحجَّام أجرته"(حاشية شرح الحديث في بلوغ المرام، ش12)؛ وأجاب السندي عن النَّهي الذي في حديث أبي هريرة في حاشيته قائلاً: " الْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى التَّنْزِيه لِمُبَاشَرَتِهِ بِالشَّيْءِ النَّجِس"(حاشية حاشية السندي على سنن ابن ماجه 4/394)، وقال الزرقاني في شرحه للموطأ: " حديث النهي عن كسب الحجام محمول على التنزيه"(حاشية شرح الزرقاني 4/491)؛ قال الكاساني: " مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فِي الْحَدِيثِ . . . َهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِدَنَاءَةِ الْفِعْلِ"(حاشية بدائع الصنائع 9/366)؛ وذلك لوجود الصارف له عن التحريم في الأحاديث التي بعده وحديث مُحيِّصة خصوصاً . وتفيد الأحاديث التي ذكِرَت بعد ذلك عن أنس وابن عبَّاس -رضي الله عنهم-، جواز إعطاء الأجر على الحجامة؛ للعبيد بالتأكيد، وهل يدخل الحرّ فيه؟ محل نظر . .، قال الترمذي في سننه: " حديث أنس حديث حسن صحيح وقد رخص بعض أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم في كسب الحجام"، وقد سُئِلَ أنس -رضي الله عنه- عن كسب الحجَّام عموماً؛ فأجاب بهذا الحديث، فهو يرى إذاً أنَّ الحر يدخل فيه، وأن ما يأخذه حلال، قال الشوكانيُّ في النيل: " وَالْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ الْحِجَامَةِ حَلَالٌ"(حاشية نيل الأوطار 9/41) أي حديثي أنس وابن عبَّاس. وابن عبَّاس -رضي الله عنهما- ينفي كون الأجرة سحتاً بمعنى الحرام قائلاً: ((لَوْ كَانَ سُحْتًا لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-))؛ أي بمعنى الحرام، أمَّا إن كانت بمعنى ما يسحت المروءة كما قال الراغب: " ساحتاً للمروءة"(حاشية غريب القرآن 1/225)، وقال الزجاج: " سحته أي: ذهب به قليلاً قليلاً"(حاشية تفسير القرآن للقرطبي 6/184، بتصرف بسيط)، وبيَّنه صاحب المبسوط قائلاً: " وَمِنْ أَصْحَابِنَا -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- مَنْ يَقُولُ: هَذَا النَّهْيُ فِي كَسْبِ الْحِجَامَةِ مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْإِشْفَاقِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْنَى الْمَرْءَ بِهِ وَيُخَسِّسُهُ، وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَبْغُضُ سَفْسَافِهَا))(حاشية أخرجه الإمام الألباني -رحمه الله في الصحيحة بلفظ: إنَّ الله جميل يحب الجمال و يحب معالي الأمور و يكره سفسافها، اهـ ذلك في تعليقه على الحديث 1626)، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ؛ فَالْأَوْلَى لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكْتَسِبَ بِمَا لَا [يدنيه]"، وتوضح المعنى الرواية الأخرى؛ فيقول ابن عبَّاس: ((وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أَعْطَاهُ))، قال ابن حجر في الفتح: " وَكَأَنَّ اِبْن عَبَّاس أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الرَّدّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ كَسْب الْحَجَّام حَرَام"(حاشية فتح الباري 7/121)، بل جاء في المغني: " وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَنَا آكُلُهُ"(حاشية المغني 12/61) مشيراً إلى حلِّه . ويفيد الحديث الأخير بروايتيه، أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلَّم- نهى مُحَيِّصَةَ -رضي الله عنه- عن خراج الحجَّام، وهذا النهي مع النهي الذي في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- يفيد التحريم كما هو مقتضى القواعد الأصولية إلا إن صرفه صارفٌ؛ وقد أذن له فيه بعد إلحاحه لحاجته كما جاء في سنن ابن ماجه؛ فكان ذلك هو الصارف؛ وأفاد عدم تحريمه وأنَّه مكروه كراهة تنزيه، لأنَّ المُحرَّم لا يُباح لحاجة؛ وهذا ما أشار إليه الشوكاني من أنه يمكن حمل النهي على الكراهة التنزيهية: " بِقَرِينَةِ إذْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا فِي بَعْضِ الْمَنَافِعِ، وَبِإِعْطَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَجْرَ لِمَنْ حَجَمَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا مَكَّنَهُ مِنْهُ"(حاشية نيل الأوطار 9/41)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وَاحْتَجَّ بِهَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لِلْحَرِّ تَنْزِيهًا، قَالُوا: لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا أَمَرَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ رَقِيقَهُ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَعَبِّدُونَ وَمِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَأْذَنَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يُطْعِمَ رَقِيقَهُ حَرَامًا"(حاشية مجموع الفتاوى، مرجع سابق)، وقد أشار البيهقي إلى أنَّ الحكمة من إطعامه الناضح(حاشية قال الشوكاني في النيل: وَالنَّاضِحُ اسْمٌ لِلْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ الَّتِي يُنْضَحُ عَلَيْهَا مِنْ الْبِئْرِ أَوْ النَّهْرِ وَرِوَايَةُ الْمُوَطَّأِ "وَأَطْعِمْهُ نُضَّاحَكَ" بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الضَّادِ جَمْعُ نَاضِحٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: النُّضَّاحُ: الَّذِينَ يَسْقُونَ النَّخِيلَ، وَاحِدُهُ نَاضِحٌ مِنْ الْغِلْمَانِ وَمِنْ الْإِبِلِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُونَ فِي الْجَمْعِ، فَجَمْعُ الْإِبِلِ نَوَاضِحُ، وَالْغِلْمَانُ نُضَّاحٌ) والرقيق وكراهته للحرِّ أنَّ كسب الحجَّام دنيُّ يستحب تنزيه الحرِّ منه، فقال: " والمعنى في نهيه عنه وإرخاصه في أن يطعمه الناضح والرقيق: أنَّ من المكاسب دنياً وحسناً، فكان كسب الحجام دنياً؛ فأحبَّ له تنزيه نفسه عن الدناءة لكثرة المكاسب التي هي أجمل منه، فلمَّا زاده فيه أمره أن يعلفه ناضحه، ويطعمه رقيقه تنزيهاً له لا تحريماً عليه"(حاشية معرفة السنن والآثار للبيهقي 15/263)، وقال في تحفة الأحوذي: " ولأنَّ هذين(حاشية أي الناضح والرقيق) ليس لهما شرف ينافيه دناءة هذا الكسب، بخلاف الحر"(حاشية تحفة الأحوذي 4/415) . ولا يُقال أنَّ الدنيَّ مُحرَّم، قال ابن بطَّال: " وأما قولهم: إنها صنعة دنية، فليست بأدنى من صنعة الكناس الذى ينقل الحش، وليست بحرام، وكذلك الحجَّام"(حاشية شرح ابن بطَّال على صحيح البخاري 11/422)، وقال النووي: " وللكراهة معنيان أحدهما مخالطة النجاسة والثاني دناءته، فعلى الثاني يكره كسب الحلاق ونحوه، وعلى الأول كره كسب الكناس والزبَّال والدباغ والقصاب والخاتن، وهذا الذي أطلقه جمهور الأصحاب"(حاشية روضة الطالبين وعمدة المقتين 1/380)، وقال شيخ الإسلام في الفتاوى الكبرى أَنَّ :" الشُّبُهَاتِ يَنْبَغِي صَرْفُهَا فِي الْأَبْعَدِ عَنْ الْمَنْفَعَةِ فَالْأَبْعَدِ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ فِي كَسْبِ الْحِجَامِ بِأَنْ يُطْعِمَهُ الرَّقِيقَ وَالنَّاضِحَ . فَالْأَقْرَبُ مَا دَخَلَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ مَا وَلِيَ الظَّاهِرُ مِنْ اللِّبَاسِ مَا سَتَرَ مَعَ الِانْفِصَالِ مِنْ الْبِنَاءِ، ثُمَّ مَا عَرَضَ مِنْ الرُّكُوبِ وَنَحْوِهِ فَهَكَذَا تَرْتِيبُ الِانْتِفَاعِ فِي الرِّزْقِ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُنَا يَفْعَلُونَ"(حاشية الفتاوى الكبرى 7/251) . فإن قيل: وكيف يجمع الرسول -صلى الله عليه وسلَّم- بين مهر الزانية وثمن الكلب وهي محرَّمة وبين كسب الحجَّام في الحديث ولا يفيد تحريمه ؟! قلنا: قَدْ يُجْمَع الْكَلَام بَيْن الْقَرَائِن فِي اللَّفْظ وَيُفَرَّق بَيْنهمَا فِي الْمَعَانِي، وَذَلِكَ عَلَى حَسَب الْأَغْرَاض وَالْمَقَاصِد فِيهَا، وَقَدْ يَكُون الْكَلَام فِي الْفَصْل الْوَاحِد بَعْضه عَلَى الْوُجُوب، وَبَعْضه عَلَى النَّدْب، وَبَعْضه عَلَى الْحَقِيقَة، وَبَعْضه عَلَى الْمَجَاز، وَإِنَّمَا يُعْلَم ذَلِكَ بِدَلَائِل الْأُصُول وَبِاعْتِبَارِ مَعَانِيهَا اِنْتَهَى(حاشية وهو قول الكثير من أهل العلم ولفظه من كلام شمس الحق في "العون" المرجع السابق وتجده بلفظه في لسان العرب والنهاية في غريب الحديث والأثر). وضرب الإمام ابن عثيمين مثالاً لذلك فقال: " ودلالة الاقتران ضعيفة، يعني بمعنى إذا اقترن شيئان في حكم، لا يلزم أن يكونا فيه سواءً، وإلاَّ فلا شك أن اقترانهما يدُل على تساويهما في الحكم، ودليل هذا قوله تعالى: {والخيل والحمير والبغال لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون}، فقرَن الخيل بالبغال والحمير، والبغال والحمير حرام، والخيل حلال؛ استدل الحنفية على تحريم الخيل بهذه الآية، وقالوا: الخيل حرام، لأنَّ الله قرَن الثلاثة في حكم واحد، وكما قلت لكم: دلالة الاقتران ضعيفة، فإذا قلنا أن الآية كانت للتحريم في الثلاثة، قلنا أنَّ الآية لا تدل على تحريم الأكل، قلنا أن الآية تدل على الركوب والزينة، أمَّا الأكل فليس في الآية تعرُّض له، وقد ثبت في صحيح البخاري أنَّ عائشة قالت: ((نحرنا فرساً في عهد النبي -صلى الله عليه وسلَّم- وأكلناه))، وهذا نصٌ صريح على أنَّ الخيل حلال، إذاُ رددنا هذا الاستدلال بكون كسب الحجام حراماً بقول ابن عبَّاس"(حاشية تقرير من الإمام ابن عثيمين -رحمه الله- في شرحه على بلوغ المرام لأحاديث الباب) . قَالَ الْقَاضِي: " الْخَبِيثُ فِي الْأَصْلِ مَا يُكْرَهُ لِرَدَاءَتِهِ وَخِسَّتِهِ وَيُسْتَعْمَلُ لِلْحَرَامِ، مِنْ حَيْثُ كَرِهَهُ الشَّارِعُ وَاسْتَرْذَلَهُ كَمَا يُسْتَعْمَلُ الطَّيِّبُ لِلْحَلَالِ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} أَيْ الْحَرَامَ بِالْحَلَالِ، وَلَمَّا كَانَ مَهْرُ الزَّانِيَةِ حَرَامًا، كَانَ الْخُبْثُ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ بِمَعْنَى الْحَرَامِ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا لِأَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اِحْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ الثَّانِي(حاشية قلتُ - كاتب البحث-: أي الكراهة وليس التحريم) . وَأَمَّا النَهْيُ بَيْعِ الْكَلْبِ فَمَنْ صَحَّحَهُ كَالْحَنَفِيَّةِ فَسَّرَهُ بِالدَّنَاءَةِ(حاشية وقد ردَّ ابن حزمٍ بشدَّة -واستعمل منجنيقه- على من صححه)، وَمَنْ لَمْ يُصَحِّحْهُ كَأَصْحَابِنَا فَسَّرَهُ بِأَنَّهُ حَرَامٌ اِنْتَهَى"(حاشية تحفة الأحوذي 3/385) . وقد يُشكل ما رواه البخاري عن ابن أبي جحيفة؛ قَالَ رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى حَجَّامًا؛ فَأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ؛ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَكَسْبِ الْأَمَةِ وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ))(حاشية البخاري 2084 و 5489 و 5505) . قال ابن عثيمين -رحمه الله-: " كأنَّ ابن أبي جحيفة -رضي الله عنه- جعل النهي عن ثمن الدم الأجرة على استخراجه، فإنَّ الحجَّام ليس يأكل الدم ولا يشرب الدم، وإنَّما يستخرجه ومعلومٌ أنَّ ما فسَّره به ابن أبي جحيفة -رضي الله عنه- خلاف ظاهر اللفظ، فإنَّ ظاهر اللفظ أن يكون الثمن عِوَضاً عن الدمِّ، والدمّ ربما يُشترى بالثَّمن، فإنَّ الدم في الجاهلية يُأكل، كما يُأكل اللحم، فيُشترى كما يُشترى اللحم، لكن ما ذكره ابن أبي جحيفة -رضي الله عنه- قد يُخالف ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلَّم-؛ فإنَّ النبي -صلى الله عليه وسلَّم- احتجم وأعطى الحجَّام أجره، قال ابن عبًَّاس -رضي الله عنهما-: لو كان حراماً لم يُعطه، وحينئذ يكون الحديث مُقدَّماً على ما فهمه أبو جحيفة -رضي الل عنه-؛ أو يُقال أنَّ المُراد بالنهي هنا نهي الكراهة، لا نهي التحريم( )، لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلَّم- لا يُقرُّ على محرَّمٍ، وإعطاء الحجَّام أجره إقرارٌ له على إعطائه الأجر"(حاشية وهذا هو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيِّم والجمهور، وهو الراجح في هذا البحث) . قال ابن بطَّال: " قال المهلب(حاشية وهو شيخه): هذه الأشياء المنهى عنها فى الحديث مختلفة الأحكام، فمنها على سبيل التنزه مثل: كسب الحجام، . . . ومنها حرام بين مثل الربا، وإنما اشترى أبو جحيفة العبد الحجام، ثم قال: نهى النبى عن ثمن الدم، ليحجمه ويخلص من إعطاء الحجام أجر حجامته، خشية أن يواقع نهى النبى عن ثمن الدم على ما تأوله فى الحديث، وقد جاء هذا بينا فى باب: ثمن الكلب بعد هذا، قال عون ابن أبى جحيفة: «رأيت أبى اشترى حجامًا، فأمر بمحاجمه فكسرت، فسألته عن ذلك، فقال: « إن رسول الله نهى عن ثمن الدم» وإنَّما فعل ذلك على سبيل التورع(حاشية وهذا يؤكِّد الوجه الثاني الذي أشار إليه الإمام ابن عثيمين من أنَّ النهي للكراهة، فهو يقول -رحمه اللله-: بعض الناس قد يكون عنده ورع ويقول أنا ما أفعل المكروه، اهـ وذلك في شرحه على صحيح البخاري) والتنزه"(حاشية وذلك في شرحه على الصحيح، مرجع سابق) . قلتُ: والتوَّرع والتنزه يكون عن المكروهات لا عن المحرَّمات . ذِكْرُ خِلاَفِ القُدَامَى وَالمُعَاصِرِينَ فِي المَسْأَلَةِ قال في بداية المجتهد: " وأمَّا كسب الحجام، فذهب قوم إلى تحريمه، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: كسبه رديء يكره للرجل، وقال آخرون بل هو مباح"(حاشية بداية المجتهد 2/182). أوَّلاً: فِي ذِكْر مَنْ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ قلتُ: أمَّا الفريق الأوَّل، فقد قال الْقَاضِي: لَا يُبَاحُ أَجْرُ الْحَجَّامِ . وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، وَقَالَ: وَإِنْ أُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا شَرْطٍ، فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيَصْرِفُهُ فِي عَلْفِ دَوَابِّهِ، وَطُعْمَةِ عَبِيدِهِ، وَمُؤْنَةِ صِنَاعَتِهِ، وَلَا يَحِلُّ، لَهُ أَكْلُهُ. وذكر النووي أنَّه فرَّق بين الحُرِّ والعبد في رواية فقال: " وفِي رِوَايَة عَنْهُ قَالَ بِهَا فُقَهَاء الْمُحَدِّثِينَ يَحْرُم عَلَى الْحُرّ دُون الْعَبْد"(حاشية شرح النووي على صحيح مسلم 5/419) . وَمِمَّنْ كَرِهَ(حاشية والكراهة بمعنى التحريم عند السلف كما بيَّن ابن القيِّم في "الإعلام" إلا بصارف وقد أثُبت هذا الصارف كما ستراه لاحقاً) كَسْبَ الْحَجَّامِ عُثْمَان، كما ذكر ذلك في المغني، ولكنَّه قد يُحمل على الكراهة التنزيهية، لأنَّه قال للحجَّام كما في مصنف ابن أبي شيبة: ((إن كسبكم لدنيء))، فهو يخبر بواقع لا بتحريم، ويحثه على تنزيه نفسه فيحمل قوله على الكراهة التنزيهية، كما تم الجمع بين أحاديث الباب . وكره ذلك َأَبُو هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنُ، وَابنُ أَبِي حُذَيفَةَ، وَالنَّخَعِيُّ؛ والقول في ما ذهبوا إليه كالقول في عثمان -رضي الله عنه-. وقال ابن خزيمة حرامٌ على الأحرار ويجوز أن يطعمه العبيد والدواب، وقد صرَّح النووي بشذوذه عند الشافعية كما في "عمدة المفتين". وقد اعترض ابن قدامة على أنَّ في المسألة قائلٌ بالتحريم؛ فقال: " سائر من كرهه من الأئمة يتعيَّن حمل قولهم على الكراهة؛ فلا يكون في المسألة قائل بالتحريم"(حاشية الشرح الكبير، مرجع سابق)، بل زاد المباركفوري فقال: " وهذا ظاهر في حرمته على الحر والحديث صحيح، لكن الإجماع على الراوي الحر له؛ فيحمل النهي على التنزيه كذا ذكره ابن الملك "(حاشية تحفة الأحوذي 4/415)، وهذا ما أشرت إليه فيما نُقل عن عثمان وغيره من الصحابة، وله وجهٌ قوي . ومن المعاصرين القائلين بتحريمه الشيخ العلاَّمة زيد المدخلي -حفظه الله-، قال: " إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وأعطى الحجام أجرته؛ ولكنه قال: ((كسب الحجَّام خبيث))؛ فكسبه خبيث بمعنى: حرام؛ وحرام عليه أن يأكله ويشرب منه أو يكتسي منه، وإنَّما يصرفه كأجرة منزل أو علف للحيوانات أو ما شابه ذلك"(حاشية المنبر الإسلامي، سحاب السلفية، من فتاواه بعد درسه اليومي من مسجده، المنقولة على الغرفة الخاصة بدروسه -حفظه الله- والتي يُشرف عليها بعض طلبته في برنامج التعلُّّم عن بعد؛ البالتوك) . وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ)) . وللنهي في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ))؛ ولحديث رافع ابن خديج: ((شَرُّ الكَسْبِ . . . كَسْبُ الحَجَّامِ)) ولحديث ابن أبي جحيفة؛ قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى حَجَّامًا؛ فَأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ؛ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: ((إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَكَسْبِ الْأَمَةِ وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ)) . وَبالإِضَافَةِ إِلىَ ذَلِكَ فإنَّ أََصْحَابُ الظَّوَاهِرِ يَأْخُذُونَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَيَقُولُونَ كَسْبُ الْحَجَّامِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمُقَابَلَةِ مَا اسْتَخْرَجَ مِنْ الدَّمِ، أَوْ مَا يَشْتَرِطُ فَهُوَ مَجْهُولٌ فَيَكُونُ مُحَرَّمًا"(حاشية المبسوط 18/20). وهو حرام عندهم أيضاً لأنَّ الرسول قرَنه مع كسب البغي، وهو مهر الزانية أجرة على الزنا بها . والقول بالحرمة قولٌ ضعيف لما تقدَّم، ونزيد في بيان ضعفه بتفصيل أكثر؛ فدونك هذه الفوائد التي يُشَّد إلى الرحال، والتي لا تكاد تجدها في كتاب آخر، من فوائد الإمام العلاَّمة الأصولي النَّظار ابن عُثيمين -رحمه الله-؛ قال الإمام الفقيه ابن عثيمين: " لكنَّ هذا القول ضعيف؛ يضعِّفه: (*) أولاً: حديث ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلَّم- احتجم وأعطى الحجَّام أجره، وقال لو كان حراماً ما أعطاه . (*) ثانياً: قوله كسب الحجَّام خبيث، يحتمل ثلاثة معاني(حاشية كما تمَّ بيانها في أول البحث، فصل ذكر فقه النصوص)، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال. (*) ثالثاً: أنَّه مخالف لقواعد الشريعة؛ فالقاعدة الشرعية: ((أنَّ ما جاز فعله، جاز أخذ العِوَضِ عنه))، كما أشار إلى ذلك النبي -صلى الله عليه وسلَّم- في قوله: ((إنَّ الله إذا حرَّم شيئاً، حرَّم ثمنه))، فمفهومه إذا أباح شيئاً أباح ثمنه، وإذا كان عملاً فثمنه الأجرة، فإذا أبيح العمل أُبيحت أجرته، والحجامة، هل هي حرام أم حلال؟ الحجامة حلال، هذا أدنى ما يُقال فيها أنَّها حلال، فإذا كانت حلالاً؛ فأخذ العِوَض عليها حلال، هذه هي القاعدة . وبهذا تبيَّن أنَّ الذين قالوا بتحريم كسب الحجَّام واستدلُّوا بالحديث، تبيَّن أنَّ قولهم هذا ضعيف، لوجوه ثلاث"(حاشية شرح ابن عثيمين على بلوغ المرام، مرجع سابق) . وأضاف -رحمه الله- قائلاً: " (مميز لو قلنا أنَّ كسب الحجَّام حرام، لأدَّى ذلك إلى عدم وجود الحجَّامين؛ فتتعطَّل مصلحة للمسلمين، وهي الحاصلة بالحجامة، لأننا لو قلنا للحجَّام استأجر حانوتاً وهات كراسي، وهات آلات الحجامة؛ واقتطع جزءاً كبيراً من وقتك لتحجم الناس، ثمَّ إيّاك أن تأخذ منهم قرشاً فإنَّه حرام، ماذا يقول؟ يقول: أنا لا أشتغل؛ بلا خسارة!، يعني لا أخسر أجرة الحانوت، وثمن آلالات الحجامة وإضاعة وقتي، إذا كنتم تقولون أنَّ هذا حرام، فإذاً أنا أبَُطِّل، فيتعطَّل شيء للناس فيه مصلحة، وهي الحجامة)"(حاشية الفوائد من أحاديث الباب في شرح بلوغ المرام، مرجع سابق) . والردُّ عن قولهم بدلالة الاقتران، قد أوردناه سابقاً، ونعيده هنا للفائدة، قال ابن عثيمين -رحمه الله-: " ودلالة الاقتران ضعيفة، يعني بمعنى إذا اقترن شيئان في حكم، لا يلزم أن يكونا فيه سواءً، وإلاَّ فلا شك أن اقترانهما يدُل على تساويهما في الحكم، ودليل هذا قوله تعالى: {والخيل والحمير والبغال لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون}، فقرَن الخيل بالبغال والحمير، والبغال والحمير حرام، والخيل حلال، استدل الحنفية على تحريم الخيل بهذه الآية، وقالوا: الخيل حرام، لأنَّ الله قرَن الثلاثة في حكم واحد، وكما قلت لكم دلالة الاقتران ضعيفة، فإذا قلنا أن الآية كانت للتحريم في الثلاثة، قلنا أنَّ الآية لا تدل على تحريم الأكل، قلنا أن الآية تدل على الركوب والزينة، أمَّا الأكل فليس في الآية تعرُّض له، وقد ثبت في صحيح البخاري أن عائشة قالت: ((نحرنا فرساً في عهد النبي -صلى الله عليه وسلَّم- وأكلناه))، وهذا نصٌ صريح على أنَّ الخيل حلال، إذاُ رددنا هذا الاستدلال بكون كسب الحجام حراماً بقول ابن عبَّاس"(حاشية الشرح على بلوغ المرام، مرجع سابق) . والردُّ على فهم الفريق الأوَّل لحديث ابن أبي جحيفة، وحديث أبي هريرة وحديثا رافع ابن خديج -رضي الله عنهم جميعاً- قد ذُكر في الفصل السابق بما لا مزيد عليه؛ فارجع إليه، فنحن في غنى عن تكراره هنا . وذهب ابن حزمٍ وأصحابه وهو قول أبي سليمان إلى تحريمه إذا كان بمشارطة، وقال أنَّه جائز إن كان من غير مشارطة، قال في المُحلى: " فاستعمال الخبرين واجب؛ فوجدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطاه عن غير مشارطة فكانت مشارطته لا تجوز، ولأنَّه أيضاً عمل مجهول، ولا خلاف في أنَّ ذلك الحديث ليس على ظاهره، لأنَّ فيه النهى عن كسب الحجام جملة، وقد يكسب من ميراث، أو من سهم من المغنم، ومن ضيعة ومن تجارة وكل ذلك مباح له بلا شك، ولم تحرم الحجامة قط بلا خلاف، ولا بدله من كسب يعيش منه وإلاَّ مات ضياعاً، فصحَّ أنَّ كسبه بالحجامة خاصة هو المنهى عنه، فوجب أن يُستثنى من ذلك فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيكون حلالاً حسناً، ويكون ما عداه حراماً كما روينا من طريق ابن أبى شيبة نا وكيع نا معمر بن سالم عن أبى جعفر - هو ابن محمد بن على بن الحسين - قال: لا بأس بأن يحتجم الرجل ولا يشارط، وهو قول أبى سليمان. وأصحابنا"(حاشية المحلى 8/193)، وقريب منه ما ذكره ابن قدامة عن الإمام أحمد ولكنه جعله حلالاً في بعيد المنافع، حين قال: " وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، وَقَالَ: وَإِنْ أُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا شَرْطٍ، فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيَصْرِفُهُ فِي عَلْفِ دَوَابِّهِ، وَطُعْمَةِ عَبِيدِهِ، وَمُؤْنَةِ صِنَاعَتِهِ، وَلَا يَحِلُّ، لَهُ أَكْلُهُ"(حاشية المغني، مرجع سابق) . وقد أشار ابن حزم أيضاً إلى أنَّه أيضاً عمل مجهول، ووافقه في كونه مجهولاً ابن العربي وابن عبد البرِّ؛ قال الحافظ ابن حجر: " وَجَمَعَ اِبْن الْعَرَبِيّ بَيْن قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((كََسْب الْحَجَّام خَبِيث))، وَبَيْن إِعْطَائِهِ الْحَجَّام أُجْرَته بِأَنَّ مَحَلّ الْجَوَاز مَا إِذَا كَانَتْ الْأُجْرَة عَلَى عَمَل مَعْلُوم، وَيُحْمَل الزَّجْر عَلَى مَا إِذَا كَانَ عَلَى عَمَل مَجْهُول"(حاشية فتح الباري، مرجع سابق)؛ قال ابن عبد البرَّ: " وذلك والله أعلم لأنَّه عمل على معلوم قبل العمل فأشبه الإجارة المجهولة من ناحية، لما عسى أن لا تطيب به نفس أحدهما من العوض؛ ومن ههنا كان جماعة من العلماء الصالحين يرضون الحجامين بأكثر من المتعارف عندهم والله أعلم"(حاشية التمهيد 11/80) . وقد ذكر الزرقاني ما فيه ردٌ على ما ذهب إليه ابن حزم فقال: " ويحتمل أن قدرها كان معلوماً فوقع العمل على العادة"(حاشية شرح الزرقاني 4/491)، فأشار إلى أنَّ عدم المشارطة ليست صريحة في الحديث، وأنه ما دام الاحتمال قائماً بين هذا وهذا، فإنَّه لا يمكن الاستدلال بالحديث على تحريم ما أعطي بمشارطة، لأنَّه مع قيام الاحتمال يبطل الاستدلال؛ وقال الإمام العلاَّمة ابن عثيمين: "وذهب بعض أهل العلم أنه إذا كان كسب الحجَّام بأجرة، معاقدة، فهو حرام، وإن أُعطي على ذلك مكافئةً فهو حلال، وحملوا حديث ابن عبَّاس على أنَّ الذي أعطاه النبي -صلى الله عليه وسلَّم- الحجام مكافئة منه، لكن في النفس من هذا شيء، لأنَّ ابن عبَّاس يقول: أعطى الحجام أجره، ولم يقل كافئه، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، إلاَّ بدليل يدل على خلاف ذلك"(حاشية شرح بلوغ المرام، الفوائد من أحاديث الباب، ش34) . بل ردَّ ابن قدامة على هذا القول فقال: " وتخصيص ذلك بما أعطيه من غير استئجار تحكم لا دليل عليه"(حاشية الشرح الكبير، مرجع سابق) . ثانياً: فِي ذِكْرِ مَنْ قَالَ بِالكَرَاهَةِ التَنْزِيهِيَّةِ وأمَّا الفريق الثاني فقد قالوا أنَّه كسب رديء يُكره للرجل كراهةً تنزيهيَّة، وهم الجمهور؛ وعمدتهم حديث مُحيِّصة -رضي الله عنه-، وفيه أنَّ النبي نهى أولاً، ثمَّ رخَّص له فيه عند علمه بحاجته، ومن المعلوم أنَّه لا كراهة مع الحاجة كما هو متقرر في الأصول، ولكنَّه -صلى الله عليه وسلَّم- مع ذلك، رخَّص بقدر تلك الحاجة، في بعض المنافع؛ فقد صُرف النهي إلى الكراهة بترخيصه له في المنافع البعيدة، فلا يُرخصُ الرسول -صلى الله عليه وسلَّم- في محرِّم للحاجة، وصُرِف النهي أيضاً عن التحريم بحديث أنس وابن عبَّاس واستدلاله -رضي الله عنهما-؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وَاحْتَجَّ بِهَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لِلْحَرِّ تَنْزِيهًا"(حاشية مجموع الفتاوى، مرجع سابق)، قال السندي: " الْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى التَّنْزِيه"(حاشية حاشية السندي على سنن ابن ماجه 4/394)، قال النووي: " َقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي كَسْب الْحَجَّام فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف: لَا يَحْرُم كَسْب الْحَجَّام، وَلَا يَحْرُم أَكَلَهُ لَا عَلَى الْحُرّ وَلَا عَلَى الْعَبْد، وَهُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب أَحْمَد"(حاشية شرح النووي على صحيح مسلم 5/419)، وهو ما أكَّده الحافظ ابن حجر فقال في الفتح: " ذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ حَلَال . . . وَقَالُوا: هُوَ كَسْب فِيهِ دَنَاءَة وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، فَحَمَلُوا الزَّجْر عَنْهُ عَلَى التَّنْزِيه"(حاشية فتح الباري، مرجع سابق) . وحديث محيِّصة فصل في المسألة ولله الحمد، فإذا قلنا بإباحة كسب الحجَّام مطلقاً أهملنا نهي النبيَّ -صلى الله عليه وسلَّم- لمحيَصة قبل أن يبدي حاجته؛ وإن قلنا بتحريمه أهملنا إباحته لمحيَّصة بعد إبداء حاجته في المنافع البعيدة وما كان الرسول ليبيح له محرَّماً لحاجة، وكذا أهملنا الوجوه التي أشار إليها الإمام العلاَّمة النَّظار ابن عثيمين -رحمه الله-؛ وإن قلنا بالكراهة التنزيهية أعملنا جميع النصوص وحصَّلنا الجمع بينها بأتمِّ وجه بإذن الله، ووافقنا قواعد الشريعة والحمد لله . وابن القيِّم كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمهما الله- مع الجمهور في كون الكسب مكروهاً وليس بمحرَّم، وهو قول الشُّرَّاح شمس الحق، والمباركفوري، وابن عبد البر والزرقاني وغيرهم كما بُيِّن في موضعه في البحث، ومن المعاصرين الإمام العلاَّمة الأصولي النَّظار الشيخ محمَّد الأمين الشنقيطي، والإمام المحدث الألباني -رحمهم الله جميعاً- وغيرهم كثير من أهل العلم إذ هو قول الجمهور . وهذا نصُّ قول الإمام الألباني -رحمه الله-، قال: " نحن لا نقول: حرام، وإنَّما نقول خبيث كما قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم-، فإذا أنت احتجمت فأعط، وأمَّا الحجَّام فما ينبغي أن يأخذ أجره ولا أن يطلب"(حاشية سلسلة الهدى والنور، ش665 د20)، وقد ردَّ بعدها على إشكال، ألا وهو: كيف يجوز أن يعطي، ويكره للحجام أن يأخذ، فاستدل بنحو ما استدل به ابن القيَّم في الزادِ حين قال: " وَأَمّا إعْطَاءُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحَجّامَ أَجْرَهُ فَلَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ كَسْبُ الْحَجّامِ خَبِيثٌ فَإِنّهُ لَمْ يَقُلْ إنّ إعْطَاءَهُ خَبِيثٌ بَلْ إعْطَاؤُهُ إمّا وَاجِبٌ وَإِمّا مُسْتَحَبّ وَإِمّا جَائِزٌ وَلَكِنْ هُوَ خَبِيثٌ بِالنّسْبَةِ إلَى الْآخِذِ وَخُبْثُهُ بِالنّسْبَةِ إلَى أَكْلِهِ فَهُوَ خَبِيثُ الْكَسْبِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ تَحْرِيمُهُ فَقَدْ سَمّى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الثّومَ وَالْبَصَلَ خَبِيثَيْنِ مَعَ إبَاحَةِ أَكْلِهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إعْطَاءِ النّبِيّ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحَجّامَ أَجْرَه-ُ حِلّ أَكْلِهِ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِ أَكْلِهِ طَيّبًا؛ فَإِنّهُ قَالَ: إنّي لَأُعْطِي الرّجُلَ الْعَطِيّةَ يَخْرُجُ بِهَا يَتَأَبّطُهَا نَارًا، وَالنّبِيّ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- قَدْ كَانَ يُعْطِي الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ مِنْ مَالِ الزّكَاةِ وَالْفَيْءِ مَعَ غِنَاهُمْ وَعَدَمِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ، لِيَبْذُلُوا مِنْ الْإِسْلَامِ وَالطّاعَةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَذْلُهُ بِدُونِ الْعَطَاءِ، وَلَا يَحِلّ لَهُمْ تَوَقّفُ بَذْلِهِ عَلَى الْأَخْذِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْمُبَادَرَةُ إلَى بَذْلِهِ بِلَا عِوَضٍ. وَهَذَا أَصْلٌ مَعْرُوفٌ مِنْ أُصُولِ الشّرْعِ أَنّ الْعَقْدَ وَالْبَذْلَ قَدْ يَكُونُ جَائِزًا أَوْ مُسْتَحَبّا أَوْ وَاجِبًا مِنْ أَحَدِ الطّرَفَيْنِ مَكْرُوهًا أَوْ مُحَرّمًا مِنْ الطّرَفِ الْآخَرِ فَيَجِبُ عَلَى الْبَاذِلِ أَنْ يَبْذُلَ وَيَحْرُمُ عَلَى الْآخِذِ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَخُبْثُ أَجْرِ الْحَجّامِ مِنْ جِنْسِ خُبْثِ أَكْلِ الثّومِ وَالْبَصَلِ لَكِنّ هَذَا خَبِيثُ الرّائِحَةِ(حاشية قال ابن عثيمن -رحمه الله-: فالنفس تكرهه وتعافه؛ وأضاف أف أن الخبيث ثلاثة أقسام، الحرام، والرديء، والمكروه الذي يعافه الناس ويستبشعونه، وذلك في شرحه لأحاديث الباب في بلوغ المرام) وَهَذَا خَبِيث لِكَسْبِهِ"(حاشية زاد المعاد، مرجع سابق) . ثالثاً: فِي ذِكْرِ مَنْ قَالَ بِالإِبَاحَةِ إِجْمَالاً وَذِكْرِ مَنْ قَالَ بِهَا مُطْلَقاً والفريق الثالث قالوا بالإباحة؛ فمنهم من بيَّن وهم أبو حنيفة وصاحبيه أبو يوسف ومحمد، وكذلك الطحاوي والقرطبي، ومنهم من لم يبيِّن أهي مطلقة أم لا، و هذا على الإجمال ما اختاره أبو الخطاب وهو قول ابن عباس قال: أنا آكله؛ وبه قال عكرمة والقاسم ومحمد بن علي بن الحسين وربيعة ويحيي الأنصاري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي(حاشية مستفاد من الشرح الكبير لابن قدامة، مرجع سابق)؛ وقد عوًّلوا على أحاديث ابن عبَّاس -رضي الله عنه- واستدلاله، وحديث أنس -رضي الله عنه-. ولا يعني القول بأن الشيء لا يحرم أنَّه ليس بمكروه؛ وهذا يجعلنا لا نقطع بقول جميع الصحابة السابق ذكرهم وغيرهم بأنَّهم لا يقولون بالكراهة التنزيهية؛ بل يُحتمل أنَّهم يقولون بها؛ وعلى ذلك فقد يُضَمُّ أكثرهم إلى الفريق الثاني والله أعلم، والقول بالإباحة المطلقة بلا كراهة، واضحٌ عند من قال بالنسخ؛ وَجَنَحَ إلَى ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ والقرطبي، وذكر الطحاوي أنه قول أبي حنيفة وصاحبيه أبو يوسف ومحمد كما ذكرنا، فقال الطحاوي في أحاديث الإباحة أنها تدل: " على نسخ ما تقدم من نهيه عن ذلك وثبت حل ذلك له ولغيره، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهم"(حاشية شرح معاني الآثار مرجع سابق)، أما القرطبي فقد قال: " وحديث أنس هذا ناسخ لما حرمه النبي -صلى الله عليه وسلم- من ثمن الدم، وناسخ لما كرهه من إجارة الحجام"(حاشية تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق)، ولذلك قال: " الصحيح في كسب الحجام أنه طيب، ومن أخذ طيباً لا تسقط مروءته ولا تنحطُّ مرتبته"(حاشية تفسير القرآن العظيم 6/184)؛ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ صِحَّةَ النَّسْخِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِتَأَخُّرِ النَّاسِخِ وَعَدَمِ إمْكَانِ الْجَمْعِ بِوَجْهٍ)(حاشية فتح الباري، مرجع سابق)؛ قال ابن القيم في الزاد: " وَإِذَا تَبَيّنَ هَذَا، ظَهَرَ فَسَادُ مَا شُبّهَ بِهِ مِنْ نَسْخِ خُبْثِ أُجْرَةِ الْحَجّامِ بَلْ دَعْوَى النّسْخِ فِيهَا أَبْعَدُ"(حاشية زاد المعاد 5/700) . والقول بالإباحة المطلقة واضحٌ أيضاً عند بعض العلماء المعاصرين، ولكنَّهم لا يقولون بالنسخ، بل يحملون الأخبار في النهي على أنَّها إخبار بواقع الحرفة، وأنَّها للتنفير منها والإرشاد إلى الأفضل فقط، ومن أصحاب هذا القول العلاَّمة ابن عثيمين -رحمه الله-، وذلك حين سأله سائل فقال: هل هو مكروه؟ فأجاب الشيخ: " لا، ولا مكروه"(حاشية لقاء الباب المقتوح، ش248)؛ قلتُ: يعني أنَّه ليس بمكروه، وقال أيضاً: " المكروه، ما تكرهه النفس وتعافه، ليس بمعنى المكروه شرعاً"(حاشية وذلك في شرحه لأحاديث الباب في بلوغ المرام، ش33) . وبيَّن السبب من تلك الرداءة الواقعية -وليست الشرعية عنده- فقال: " ينبغي للحجَّام أن يتطوَّع ويتبرَّع بإنقاذ إخوانه من الضرر والهلكة؛ فكونه يأخذ على هذا أجراً نقول: إنَّ هذا الأجر رديء، وليس حراماً"(حاشية لقاء الباب المفتوح، مرجع سابق) . وهو قول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- حين قال: " وفي حديث ابن عبَّاس الدلالة على جواز الحجامة وأخذ الأجرة عليها، وأما كون كون كسب الحجام خبيثاً؛ فلا بأس به، فإنَّ هذا خبيث لأنَّه رديء، مثل -قوله جلَّ وعلى-: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}، يعني: مثل التمر الرديء والطعام الرديء يُقال له خبيث، ما هو بمحرم، والطعام الرديء والحبوب الرديئة يُقال لها خبيث، لأنها رديئة(حاشية يشير إلى أنَّه إخبار بواقع وليس نهياً شرعياً)، وكسب الحجَّام خبيث لأنَّه رديء، ولكن ما هو بمحرم، ولهذا أعطى الذي حجمه أجره، قال ابن عبَّاس: ولو كان حراماً لم يُعطه؛ فإذا استأجر حجَّاماً بدراهم أو بأصواع فلا حرج؛ (مميز لكنَّ الأفضل للحجَّام ألاَّ يأخذ شيئاً، أو يحترف صنعة أخرى غير الحجامة)"(حاشية شرح بلوغ المرام، كتاب البيوع) . وعلى ذلك أيضاً الشيخ العلاَّمة عبد المحسن العبَّاد أيضاً، حيث قال: " حكم مكسب الحجَّام أنَّه حلال، ولكنَّه مكسبٌ ليس بشريف؛ وإنَّما هو من أردئ المكاسب، وأقلِّها لما فيه من استعمال الدَّم، وكونه يتعلَّق بالدمِّ؛ وقبل ذلك في الأزمنة الماضية كان الحجَّام يمُصُّ المحاجم، وقد ينتقل لحلقه شيء بسبب المصِّ، ولذلك جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- أنَّه قال: ((أفطر الحاجم والمحجوم))، المحجوم لأنَّه خرح منه دم، والحجَّام لأنَّه مظنَّة أن ينتقل إلى حلقه دم بسبب المصِّ، وفي الأزمنة المتأخرة كانت الحجامة بدون مصِّ، ولكن كونها مهنةً رديئة وليست بشريفة، هي قائمة ومستمرَّة، وعلى هذا؛ فكسب الحجَّام ليس من المكاسب التي يُرغَّبُ فيها، ويُحَثُّ عليها، والنَّاس لا بدَُّ لهم منها، ومع ذلك هي من أردئ المكاسب وأدناها، وليس بحرامٍ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلَّم- احتجم وأعطى الحجَّام أجره، ولو كان حراماً لم يُعطه، كما جاء ذلك عن ابن عبَّاس -رضي الله تعالى عنهما- . . . وكسب الحجَّام لا شكَّ أنَّه رديء ولكنَّه مُباح، والرسول -صلى الله عليه وسلَّم- أعطى الحجَّام ولو كان حراماً لم يعطه كما قال ذلك ابن عبَّاس"(حاشية شرح سنن أبي داود، كتاب البيوع) . وقال رداً على أنَّ النهي في حديث مُحيَّصة يفيد الكراهة(حاشية وقد بينا سابقاً أنَّه يفيدها إعمالاً للنصوص، وهو ما عليه الجمهور): " كونه ينهاه: من أجل أنَّه كسب رديء"(حاشية شرح سنن أبي داود، مرجع سابق) . ويفيد كلام العلاَّمة الفوزان ذلك أيضاً، ولكنه ليس قطعاً، وذلك حين قال: " الحجامة علاج مباح؛ وهي من الطب النبوي، وقد احتجم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأعطى الحجام أجره؛ فكسب الحجام مباح, كسبه مباح . لكن كونه يطلب الرزق بغير هذه المهنة أحسن له؛ وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((كسب الحجام خبيث)) المعنى: أنَّه رديء؛ ما هو حرام, معناه إنه رديء، مثل: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} أي: الرديء؛ فالرسول حثَّه أن يطلب الرزق من وجه أنظف من هذا الوجه، وإلا فعمله مباح والناس بحاجة إلى هذا "(حاشية من محاضرة أصول تلقي العلم وضوابطه 11-محرم -1427) . ولكن في كلامهم جميعاً ما يُشعر بأنهم يقولون بالكراهة التنزيهية، فإن كان ذلك، فيضمون أيضاً إلى الفريق الثاني ليوافقوا قول الجمهور، وهو ما ينبغي الحمل عليه، لولا ما نقلناه من نفي الإمام ابن عثيمين صريحاً للكراهة، وعدم ذكر غيره لها بصراحة، مما أدَّى إلى هذا التقسيم . وقد تبيَّن من عرض أدلة كلا الفريقين الأول والثالث أنَّهم لم يعملوا كل الأدلة، وأمَّا من قالوا بالكراهة التنزيهية، فهم من أعملوا جميع نصوص الباب، والحمد لله على توفيقه . وَهَلْ يُكرَه كَسْبُ الحَجَّامِ للمُحْتَاجِ؟ قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} . وقَالَ بعض السَّلَف: كَسْبٌ فِيهِ بَعْضُ الدَّنَاءَةِ خَيْرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ. قلت: إذا علمنا أنَّ كسب الحجَّام دنيء يُستحب للحرِّ العدول عنه، وإنَّه مكروه تنزيهاً، فإننا يجب أن نعلم أنَّ: ((الحاجات تزيل المكروهات وما حُرِّم لسدِّ الذريعة من المحظورات)) كما هو متقرر في الأصول، ومعناه أنَّه إذا كانت حاجة فلا كراهة . قال الإمام ابن عثيمين -رحمه الله- في "منظومته في أصول الفقه": و كلّ ممنوعٍ فللضـرورةِ يُباحُ، و المكروه عند الحاجةِ قال الشيخ المحدث العلاَّمة عبد المحسن العبَّاد: " تتخذ هذه المهنة على حسب الحاجة"(حاشية وذلك في شرحه لحديث مُحيِّصة في سنن أبي داود، كتاب البيوع، ش248). وإذ تقرر ذلك، فإنَّه تحرُّزاً من الوقوع في المكروه ينبغي أن ((يُقدِّر حاجته بقدرها))، وإن لم يكن؛ فلو تقدر له أنَّ يأخذ أجره فقط، بدون ربح فليفعل، كما صرَّح به الإمام العلاَّمة ابن عثيمين -رحمه الله- وذلك حين قال: " فلا ينبغي للحجَّام أن يأخذ أجرة، وإن أخذ فبقدر العمل فقط، بدون ربح؛ ولكنَّه ليس حراماً"(حاشية لقاء الباب المفتوح، ش231) . لهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وَبِكُلِّ حَالٍ فَحَالُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لَيْسَتْ كَحَالِ الْمُسْتَغْنِي عَنْهُ كَمَا قَالَ السَّلَفُ: كَسْبٌ فِيهِ بَعْضُ الدَّنَاءَةِ خَيْرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ. وَلِهَذَا لَمَّا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ: كَانَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَعْدَلُهَا أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُحْتَاجِ، قَالَ أَحْمَد: أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ خَيْرٌ مِنْ جَوَائِزِ السُّلْطَانِ وَجَوَائِزُ السُّلْطَانِ خَيْرٌ مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ؛ وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّهُ يُفَرَّقُ فِي الْمَنْهِيَّاتِ بَيْنَ الْمُحْتَاجِ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الْمَأْمُورَاتِ . . . وَتَنَازَعُوا فِي الرِّزْقِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} فَهَكَذَا يُقَالُ فِي نَظَائِرِ هَذَا؛ إذْ الشَّرِيعَةُ مَبْنَاهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا. وَالْوَرَعُ تَرْجِيحُ خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا وَدَفْعِ شَرِّ الشَّرَّيْنِ وَإِنْ حَصَلَ أَدْنَاهُمَا"(حاشية مجموع الفتاوى، مرجع سابق) . وَذَكَرَ اِبْن الْجَوْزِيّ أَنَّ أَجْر الْحَجَّام إِنَّمَا كُرِهَ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي تَجِب لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِم إِعَانَة لَهُ عِنْد الِاحْتِيَاج لَهُ، فَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا(حاشية نقله الحافظ في الفتح) . ولكنها مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ، لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا، كَالْبِنَاءِ وَالْخِيَاطَةِ، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَيْهَا، وَلَا نَجِدُ كُلَّ أَحَدٍ مُتَبَرِّعًا بِهَا، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا، كَالرَّضَاعِ(حاشية منقول بتصرفٍ من المغني) . قال الزرقاني: " ولو تواطأ الناس على تركه(حاشية أي كسب الحجَّام) لأضرَّ بهم"(حاشية شرح الزرقاني 4/491) . قال ربيعة: إن الحجَّامين كان لهم سوق على عهد عمر بن الخطاب. وقال يحيى بن سعيد: لم يزل المسلمون مقرِّين بأجر الحجام، ولا ينكرونها(حاشية انظر هذين الأثرين في مصنف ابن أبي شيبة وقد نقلهما في ابن عبد البرِّ في التمهيد وابن بطَّال في شرحه على صحيح البخاري وأخرجهما الطحاوي في شرح معاني الآثار 4/13) . لهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَجَّامَ إذَا حَجَمَ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ حَجْمِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ قَوْلٌ ضَعِيفُ بِخِلَافِ ذَلِكَ"(حاشية مجموع الفتاوى، مرجع سابق) . قال ابن قدامة: " يجوز أن يستأجر حجاماً ليحجمه، وأجره مباح، اختاره أبو الخطاب وهو قول ابن عباس قال: أنا آكله؛ وبه قال عكرمة والقاسم ومحمد بن علي بن الحسين وربيعة ويحيي الانصاري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي"(حاشية الشرح الكبير، مرجع سابق) . قال ابن قدامة: " وفيما ذكرناه إن شاء الله؛ جمع بين الأخبار وتوفيق بين الأدلة الدالة عليها" اهـ من المرجع السابق. الخُلاَصَةُ كسب الحجَّام مكروه تنزيهاً، وتزول الكراهة عند الحاجة؛ فتتخذ هذه المهنة بقدر حاجة الناس لها، سواءً للحاجم أو المحجوم . وصلى الله على نبيِّنا محمِّد وآله وصحبه تسليماً كثيراً، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين . وكتبه: أبو عبد الله الآجُرِّي ------------------->>> بحث منقول. |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر رد |
| الدجال | ابو قدس | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 1 | 01-Mar-2009 06:42 PM |
| كيف صور لنا الإعلام ( الكثرة )!!! | الناقد الاعلامي | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 0 | 14-Apr-2008 10:13 PM |
| نحن ضحية الإعلام &&&&&& | عبدالرزاق المغربي | قسم وجهة نظر | 0 | 13-Feb-2008 01:07 PM |
| أنا ،، وسلمان،،و مصداقية الإعلام ...:: == فلم قديم ومهزلة جديدة == ::.. | ورقة بن نوفل | قسم وجهة نظر | 0 | 06-Nov-2007 12:46 PM |