![]() |
![]() |
![]() |
|
|
رقم المشاركة : ( 2 ) | ||||
|
عضو ذهبي
|
القائم بعمارة الأرض المستمتع بطيباتها
ومن ناحية أخرى نجده ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع إقباله بكليته على الآخرة، وإعراضه عن الدنيا وزينتها، وتصويره الدنيا بالنسبة للآخرة، كما يجعل الإنسان إصبعه في اليم: "فلينظر بماذا يرجع؟" ـ لم يعش في الدنيا عيشة الرهبان الرافضين لها، المعادين لكل ما فيها، بل كان يعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الإنسان مستخلف فيها، وأن له فيها مستقرا ومتاعا إلى حين، وأن عمارة الأرض من مقاصد التكليف، وأن هذه العمارة ـ المتمثلة في الزراعة، والغرس، والصناعة، والاحتراف، والتجارة وغيرها ـ تعتبر عبادة لله، إذا صحت فيها النية، وأديت على الوجه المطلوب، بلا خيانة ولا غش ولا إهمال، ولهذا أبقى أصحابه ـ عليه الصلاة والسلام ـ في حرفهم، ولم يخرج واحدا منهم عن حرفته، ليتفرغ للعبادة أو لغيرها، إنما دعاهم أن يتقربوا إلى الله بإحسان أعمالهم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء"، "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه". كما أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يرفض طيبات الدنيا إذا تيسرت له، بل إذا وجدها تناولها وحمد الله تعالى، وإذا لم يجدها لم يتكلفها، ولم يحزن على فقدها. كان يعجبه من الطعام اللحم، ويعجبه منه لحم الذراع، ويعجبه من الشراب اللبن، ويقول: "من سقاه الله لبنا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه"، وكان يستعذب له الماء، ويوضع فيه بعض التمرات للتخفيف من ملوحته. وكان يلبس من الثياب ما تيسر، لا يلتزم زيا أو هيئة معينة، ويختص بعض الحلل للجمعة وللعيدين، وكذلك للقاء الوفود، وكان يرجل شعره، ويتطيب، ويحب الطيب، وينظر في المرآة، ويقول: "اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي"، ويوصي أصحابه بالنظافة والتجمل، حتى يكون أحدهم حسن المظهر، طيب الرائحة، ولا يحب أن يدخل عليه أحدهم ثائر الرأس كأنه شيطان، ويقول: "من كان له شعر فليكرمه"، ويوصي بنظافة أشياء معينة في الجسم مثل الأسنان، ولهذا حض على السواك: "السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب"، كما أكد العناية بالجسم كله: "حق لله على كل مسلم في كل سبعة أيام يوم يغسل فيه رأسه وجسده"، وضرب لأصحابه المثل في ذلك كله، وكان نعم الأسوة لهم، وعلمهم أن الدين لا يضيق بالتجمل، "إن الله جميل يحب الجمال". رأيناه يتداوى، ويأمر أصحابه بالتداوي، ويعلمهم أن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله، ويصف بعض الأدوية لبعض الأمراض، حسبما تعمله من البيئة غالبا، ولكنه بجوار هذا استخدم الأدوية الروحية من الرقى والدعاء، فرقى نفسه وغيره، وعلمهم كيف تكون الرقية، محذرا من الرقى الشركية. والواقع أن سيرته صلى الله عليه وسلم ـ كما أشرنا إلى ذلك ـ سيرة جامعة شاملة، متوازنة، يجد فيها كل طالب أسوة مكانا للاتساء بها، والاقتداء بهداها. فالفقير يجد فيها مجالا للاقتداء، والاهتداء، يوم كان عليه السلام يشد الحجر على بطنه من الجوع، والغني يجد فيها قدوته يوم وسع الله عليه، ووضع بين يديه الأموال، منها ما هو للدولة، وما هو خاص له. والحاكم والمحكوم، والمحارب والمسالم، والعزب والمتزوج، وذو الزوجة الواحدة، وذو الزوجات المتعددات، والأب والجد، والشاب والشيخ، والسليم والسقيم، والمقيم والمسافر، والمعافى والمبتلى، وغير هؤلاء وهؤلاء، كلهم يجدون في حياته الخصبة، وفي سيرته الحافلة، وفي سنته الهادية، متسعا لهم، ليقتدوا منها، ويهتدوا بنورها.. في حالات الرخاء واليسر، وفي حالات الشدة والعسر، في حالات الانتصار، وفي حال الانكسار. وعيب كثير من الفرق والطوائف من أهل الكلام والتصوف والفقه: أنهم يأخذون بجانب من سيرته أو سنته صلى الله عليه وسلم، ويغفلون جوانب أخرى، أو يضخمون ناحية على حساب نواح أخرى، ولو تأملوا وأنصفوا، وجمعوا الأمور بعضها إلى بعض، لوجدوا في هديه عليه الصلاة والسلام الشمول والتوازن، والاعتدال والتكامل، الذي يسع كثيرا مما يظن أنه متعارض، وما هو بمتعارض، وإنما أراد الله لرسوله أن يكون الأسوة العليا في كل أمر من الأمور. كلمة بليغة لابن القيم ويسرني أن أسجل هنا ما ذكره الإمام ابن القيم في كتابه "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" حول هذا المعنى الكبير، فأفاض فيه على طريقته، وضرب الأمثلة، وذكر الأدلة، وأشبع القول بمناسبة احتجاج طائفة بسيرته وسنته عليه الصلاة والسلام على فضل الفقير الصابر، واحتجاج معارضيهم بهما أيضا على فضل الغني الشاكر. يقول ابن القيم: "وما ينبغي أن يعلم أن كل خصلة من خصال الفضل قد أحل الله رسوله صلى الله عليه وسلم في أعلاها، وخصه بذروه سنامها، فإذا احتجت بحاله فرقة من فرق الأمة التي تعرف تلك الخصال وتقاسمتها على فضلها على غيرها، أمكن للفرقة الأخرى أن تحتج به على فضلها أيضا. فإذا احتج به الغزاة والمجاهدون على أنهم أفضل الطوائف، احتج به العلماء على مثل ما احتج به أولئك. وإذا احتج به الزهاد والمتخلفون عن الدنيا على فضلهم، احتج به الداخلون في الدنيا والولاية، وسياسة الرعية، لإقامة دين الله، وتنفيذ أمره. وإذا احتج به الفقير الصابر، احتج به الغني الشاكر. وإذا احتج به أهل العبادة على فضل نوافل العبادة وترجيحها، احتج به العارفون على فضل المعرفة. وإذا احتج به أرباب التواضع والحلم، احتج به أرباب العز والقهر للمبطلين والغلظة عليه والبطش بهم. وإذا احتج به أرباب الوقار والهيبة والرزانة، احتج به أرباب الخلق الحسن والمزاح المباح الذي لا يخرج عن الحق، وحسن العشرة للأهل والأصحاب. وإذا احتج به أصحاب الصدع بالحق والقول به في المشهد والمغيب، احتج به أصحاب المداراة والحياء والكرم أن يبادروا الرجل بما يكرهه في وجهه. وإذا احتج به المتورعون على الورع المحمود، احتج به الميسرون المسهلون الذين لا يخرجون عن سعة شريعته ويسرها وسهولتها. وإذا احتج به من صرف عنايته إلى إصلاح دينه وقلبه، احتج به من راعى إصلاح بدنه ومعيشته ودنياه، فإنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعث لصلاح الدنيا والدين. وإذا احتج به من لم يعلق قلبه بالأسباب ولا ركن إليها، احتج به من قام بالأسباب ووضعها مواضعها وأعطاها حقها. وإذا احتج به من جاع وصبر على الجوع، احتج به من شبع وشكر ربه على الشبع. وإذا احتج به من أخذ بالعفو والصفح والاحتمال، احتج به من انتقم في مواضع الانتقام. وإذا احتج به من أعطى لله ووالي الله، احتج به من منع لله وعادى لله. وإذا احتج به من لم يدخر شيئا لغد، احتج به من يدخر لأهله قوت سنة. وإذا احتج به من يأكل الخشن من القوت والأدم كخبز الشعير والخل، احتج به من يأكل اللذيذ الطيب كالشوي والحلوى والفاكهة والبطيخ ونحوه. وإذا احتج به من سرد الصوم، احتج به من سرد الفطر، فكان يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال لا يصوم. وإذا احتج به من رغب عن الطيبات والمشتهيات، احتج به من أحب أطيب ما في الدنيا، وهو النساء والطيب. وإذا احتج به من ألان جانبه وخفض جناحه لنسائه، احتج به من أدبهن وآلمهن وطلق وهجر وخيرهن. وإذا احتج به من ترك مباشرة أسباب المعيشة بنفسه، احتج به من باشرها بنفسه فآجر واستأجر، وباع واشترى، واستسلف وأدان ورهن. وإذا احتج به من يجتنب النساء بالكلية في الحيض والصيام، احتج به من يباشر امرأته وهي حائض بغير الوطء، ومن يقبل امرأته وهو صائم. وإذا احتج به من رحم أهل المعاصي بالقدر، احتج به من أقام عليهم حدود الله فقطع السارق ورجم الزاني وجلد الشارب. وإذا احتج به من أرباب الحكم بالظاهر، احتج به من أرباب السياسة العادلة المبنية على القرائن الظاهرة، فإنه حبس في تهمة وعاقب في تهمة". إلى أن قال: "والمقصود بهذا الفصل: أنه ليس الفقراء والصابرون، بأحق به ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأغنياء الشاكرين، وأحق الناس به أعلمهم بسنته، وأتبعهم لها". منقول __________________ لا إله إلا الله محمد رسول الله |
||||
|
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر رد |
| الصراط أصول منهج أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والعمل | أم عبدالمهيمن | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 0 | 03-Oct-2011 08:46 PM |
| دراسة عسكرية أمريكية للإستراتيجيات القتالية للرسول محمدعليه الصلاة والسلام | ابو قدس | قسم هدي خير العباد | 1 | 01-Apr-2009 03:11 PM |
| الإختراع عربى | مصطفى11 | قسم فك رموز الدفائن بالاشارات والاجهزة | 19 | 20-Apr-2008 04:41 AM |
| مائة وسيلة لنصرة المصطفى | اخت منى | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 5 | 18-Mar-2008 11:46 PM |
| قصص الأنبياء ( قصة الرسول صلى الله عليه وسلم ) | محمد العوام | قسم الحجامة والأعشاب والطب التكميلي | 3 | 23-May-2007 05:15 PM |