![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
الرسول والإنسان
ولكنه صلى الله عليه وسلم مع هذه الروحانية العالية، في ذكره وشكره وحسن عبادته لربه، وفي زهادته في دنيا الناس، وعيشه فيها بشعور الغريب، وعابر السبيل!.. لم يغفل الجوانب الأخرى بما تفرضه من أعباء، وما تمثله من مطالب، لم ينس أنه إنسان وزوج وأب وجد، وقريب، وجار، وصديق، ورئيس، وقائد.. وأن كل علاقة من هذه لها حقوقها. ولهذا رأيناه إنسانا يرضى كما يرضى البشر، ويغضب كما يغضب البشر، ويفرح كما يفرحون، ويحزن كما يحزنون. ولكنه إذا رضى لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا فرح لم يفرح بغير الحق، وإذا حزن لم يخرجه حزنه عن الصبر والرضا، ويشارك أصحابه في مسراتهم، ولا يخرجه ذلك عن الوقار. ويضحكه بعض أصحابه فيضحك، ويمزح أحيانا، ولكن لا يقول إلا حقا، ويأذن للحبشة أن يرقصوا بحرابهم في مسجده، ويعرف طبيعة الأنصار، فيقول في عرس لأحدهم: "أما كان معهم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو" ويسمح لجاريتين أن تغنيا في بيته في يوم عيد "حتى يعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وأنى بعثت بحنيفية سمحة". الزوج المثالي رأيناه زوجا يحسن عشرة أزواجه، ويعدل بينهن فيما يقدر عليه، ويطيب أنفسهن، ويصالح بينهن، ويقدر الظروف الخاصة لكل منهن، ويستمع أحيانا إلى قصصهن وإن طالت، كما في حديث أم زرع المشهور، وبرغم همومه ومشاغله التي تنوء بها الجبال، يداعب ويمازح، كما رأيناه يسابق عائشة، فتسبقه مرة، ويسبقها مرة، ويسبقها أخرى، فيقول لها: "هذه بتلك". الأب والجد رأيناه أبا يحب أبناءه وبناته، ويحرص على كل خير لهم في الدنيا والآخرة، مات ابنه إبراهيم، فحزن عليه، ودمعت عيناه، ولم يجد في ذلك ما ينافي الصبر والرضا، بل قال: "تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، والله إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". وحين أراد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يتزوج على فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ابنة أبي جهل لعنه الله، غضب وقال: "إن فاطمة بضعة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها، وإني لست أحرم حلالا، ولا أحل حراما، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله تحت رجل واحد أبدا". رأيناه جدا يلاعب سبطيه: الحسن والحسين، ويوطئ لهما ظهره ليركباه، بأبي هو وأمي، ويركب أحدهما على ظهره الشريف مرة وهو يصلي فيطيل الصلاة، حتى ظن الصحابة الظنون، فلما فرغ وسلم، سألوه عن سر إطالة سجوده، فقال: "إن ابني ارتحلني (أي اتخذني راحلة وركوبة!)، فكرهت أن أعجله". أي أنه لم يشأ أن يقطع على الصبي لذته في امتطاء ظهر جده. ويقول عن الحسن والحسين: "إن ابني هذين ريحانتاي من الدنيا". راعي حقوق الرحم والجوار والصداقة رأيناه يرعى حق الرحم والقرابة، ولو كان أهلها مشركين، ويقول لقريش: "إن لكم رحما أبلها ببلالها"، وحين تمكن منهم يوم الفتح بعد طول ما جرعوه الصاب والعلقم، قال لهم في تسامح القوي: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، بل كان يكرم أقارب أبيه من بني النجار، وأقارب أمه من بني زهرة، مثل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، الذي عرف بأنه خال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن أخا لأمه، ولكن من بني عمومتها. رأيناه يرعى حق الجار، وإن ظلم وجار، وإن كان يهوديا من أهل الكتاب، ويقول في ذلك: "مازال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه". رأيناه صديقا، يرعى حقوق الصداقة والصحبة، ولهذا غضب حين أغضب بعضهم أبا بكر، فقال: "اتركوا لي صاحبي.." وقال: "لو كنت متخذا من أمتي خليلا دون ربي، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه أخي وصاحبي". وكان أوفى الناس لأصحابه، ولكل من تربطه به أو بأهل بيته صلة، حتى كان يكرم بعض العجائز، ويبش لهن، ويهدي إليهن، فسئل في ذلك، فقال: "إن هذه كانت صديقة خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان"!. رئيس الدولة رأيناه رئيسا لدولة جديدة، تحيط بها العداوات منكل جانب: وثنية ويهودية ونصرانية، فلم يشغله هم الجهاد والإعداد لمقاومة أعدائها، عن العناية بالشئون الداخلية لأهلها، من بناء المسجد للصلاة، إلى إقامة السوق للتجارة.. ومن إقامة العلاقات السياسية بين الطوائف التي تسكن المدينة وضواحيها، وهي دار الإسلام في ذلك الوقت، على أساس واضح مكتوب في وثيقة دستورية معروفة، إلى العناية بأمر هرة حبستها امرأة حتى ماتت جوعا، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.. ومن لقاء الوفود من أنحاء الجزيرة، وإرسال الرسل إلى ملوك الأرض المعروفين، إلى الاهتمام بأمر أمة تأخذ بيده، وتمضي في طرقات المدينة، فلا يدع يده من يدها (توضعا وحياء منه) حتى تقضي حاجتها. الرسول القائد رأيناه قائدا يخطط للمعارك قبل وقوعها، ويبعث الطلائع والعيون لاستطلاع أخبار العدو، ويقوم بعمل أول إحصاء للقوة الضاربة عنده، حتى يكون تخطيطه على أساس علمي مكين، ويحث على التدريب واستمراره، فهو دعامة القوة العسكرية: "ألا إن القوة الرمي"، "من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا" ـ أو "فقد عصى" .. وهو مع قوة توكله على الله تعالى ـ يلبس للحرب لبوسها، حتى إنه في إحدى المعارك ظاهر بين درعين، ويعلم أصحابه أن الحرب خدعة، وأن للعوامل النفسية أثرها في كسب المعارك، فلا بد من العمل على تخذيل الأعداء، وتفريق كلمتهم. وهو يعتمد ـ بعد الله تعالى ـ على حسن التخطيط، والتنظيم، والإعداد، و"التكتيك" حتى إنه ليفاجئ أعداءه بخطط لم يعهدوها، فيربكهم، ويعرف قدرات أصحابه، فيضع كلا في موضعه المناسب. ولا غرو أنه القائد الذي رأينا كبار القواد ـ مثل أبي عبيدة وسعد وخالد وعمرو وغيرهم ـ تلاميذ بين يديه. العامل المتوكل رأيناه يراعي سنن الله ويأخذ بالأسباب، ويعد العدة، ويتوقى الخطر، ويأمر بأخذ الحذر، ويعمل بالإحصاء، ويخطط للمستقبل، ويرتب ويفكر قدر ما يستطيع البشر، ولكنه لا يغفل أبدا عن التوكل على الله تعالى، ولا ينسى أن الأمر كله بيده، وخصوصا ساعة الشدائد، وحصار الأزمات، فهنا تراه أقوى ما يكون ثقة بالله، واعتصاما به، وفرارا إليه. فقد رأيناه خطط ورتب ونظم كل ما يتعلق بهجرته إلى المدينة، فلما وقف المشركون الذين يطاردونه على باب الغار الذي يختبئ فيه، قال في ثقة ويقين: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما"؟ (لا تحزن إن الله معنا). |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر رد |
| الصراط أصول منهج أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والعمل | أم عبدالمهيمن | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 0 | 03-Oct-2011 08:46 PM |
| دراسة عسكرية أمريكية للإستراتيجيات القتالية للرسول محمدعليه الصلاة والسلام | ابو قدس | قسم هدي خير العباد | 1 | 01-Apr-2009 03:11 PM |
| الإختراع عربى | مصطفى11 | قسم فك رموز الدفائن بالاشارات والاجهزة | 19 | 20-Apr-2008 04:41 AM |
| مائة وسيلة لنصرة المصطفى | اخت منى | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 5 | 18-Mar-2008 11:46 PM |
| قصص الأنبياء ( قصة الرسول صلى الله عليه وسلم ) | محمد العوام | قسم الحجامة والأعشاب والطب التكميلي | 3 | 23-May-2007 05:15 PM |